المرأة والأسرة

في المجتمعـات الخليجية

إشراف: د. فيوليت داغر

 

* المرأة والأسرة في المجتمعات الخليجية (سلسلة براعم)

* إشراف: د. فيوليت داغر

* الطبعة الأولى 2004 م

* جميع الحقوق محفوظة للناشر

ISBN: 2 914595 31 X

EAN: 9782914595315

* الناشر:

ـ المؤسسة العربية الأوربية للنشر (أوراب)

Editions Eurabe

36 B Rue du Cotentin - 75015 Paris - France

Email: eurabe@noos.fr

ـ الأهالي للنشر والتوزيع

سورية ـ دمشق ـ ص.ب: 9503 ـ هاتف: 6624447

فاكس: 6667549 ـ بريد الكتروني: odat-h@scs-net.org

ـ اللجنة العربية لحقوق الإنسان

Commission Arabe des Droits Humains

5, rue Gambetta 92240 Malakoff

Telfax: 0033140921588 - Email: achr@noos.fr

 

 

FEMME ET FAMILLE DANS LES SOCIETES ARABES

Sous la direction de: Violette Daguerre


إشراف: د. فيوليت داغر

 

المرأة والأسرة

في المجتمعات الخليجية

 

“ سلسلة براعم “

 

مقدمة

تعيش المرأة خلال حياتها عدة مراحل يكون محورها العلاقة بالرجل، أكان الأب أو الأخ أو الزوج أو الصديق أو الابن. هذه العلاقة الإنسانية الضرورية والطبيعية، قد يشوبها شئ من المعاناة أو الكثير من الألم، لكن بالتأكيد العراك لتأكيد الذات وبناء الكيان وبلورة معالم الشخصية مع وتجاه الجنس الآخر. امرأة اليوم تريد، بفعل وعيها والإنجازات الحضارية التي تحققت، أن تتجاوز الوضع الذي عاشته أمها وجدتها، لكن الموروثات هائلة وطريقها شاق لتخطي تبعاتها. لقد عملت الإيديولوجيات المغلقة على حصر المرأة ضمن حدود مرسومة، وتحجّب وراء القمع والاستعباد وجه الخوف من الآخر ومن ثورته. ألم يجر التركيز على قوامة الرجل ودونية المرأة في جلّ الأعراف والعقائد منذ آلاف السنين؟

لقد بحثت المرأة عن طريقة تحدث بها ثغرة في الصرح البطريركي القابع فوق صدرها، بحيث بدأنا نجد أكثر من ذي قبل المرأة الثائرة على التقاليد والأعراف مقابل تلك الخانعة والمطيعة. فقد حملت صراعات القرنين الأخيرين للبشر أفكاراً تحررية تتبنى حقوق الأشخاص المتساوية بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو قومياتهم. وكان للكفاح الديمقراطي دوراً كبيراً في تكريس مفاهيم جديدة عن حقوق المرأة والإنسان. كما أعطت نضالات الحركة النسائية المرأة مساحات واسعة لم تكن تعرفها من قبل محققة تراكمات نوعية من الانتصارات الصغيرة التي حققتها هنا وهناك. مما أفضى لتراجع الهيمنة البطريركية ولو بدرجات متفاوتة باختلاف المجتمعات والثقافات. كذلك كان لخروج المرأة للعمل في مجتمع رأسمالي قائم على العمل المأجور، ودخولها مختلف حقوله مع الأتمتة والتقدم العلمي، ومساهمتها في الثروة والنمو الاقتصادي، أن يعيد رسم صورة الشأن العام في أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية على هذا الأساس الذي يرفض فكرة القيود والدونية.

باتت المرأة إذن تنشد حريتها وحقوقها وتأكيد ذاتها في المجتمع والعمل في الخارج وليس فقط في نطاق الأسرة والداخل. إنها تنظر لنفسها كمواطنة، لها نفس حقوق وواجبات الرجل وليس ككائن قاصر. وإن كانت أحياناً تفتش عن هويتها ليس بمعزل عن الصورة التي يراها الرجل من خلالها، فهي لم تعد تحصر نفسها بها. رغبات كثيرة أصبحت تتنازعها قد يكون إيجاد التوازن بينها صعب البلوغ، حيث فيها بأن العمل لاسترداد الحقوق المسلوبة وواجب الخضوع والعفة والتضحية بالذات والإخلاص لصورة نمطية يحملها الآخر عنها. هذا الصراع ولد آلاماً أظهرت المرأة بوجهها السلبي. وهذا الوضع ليست وحدها من تدفع ثمنه، وإنما من تسقط عليه سبب شقائها ومن يقع تحت تأثيرها. ففي تبعية أحدهما تقييد للآخر، حيث لا يمكن أن يكون هناك منتصر على الدوام وآخر مغلوب دوماً وأبداً. مبدأ التوازن يفترض أن يقوم المغلوب على أمره بما يمكنه للانتقام من وضعه وممن قيده فيه. وهذا ما لا يبدو قد فهمه ذلك الذي يتمتع بموازين القوى ويتربع في مراكز القرار. لقد تناسينا أن تعاسة الرجل من تعاسة المرأة، وكل مصيبة تطال الواحد تصيب الآخر بالضرورة. فهل يمكن في وضع كهذا أن لا نتصور ردود فعل موازية للفعل؟ إعمال دهائهن ـ ومنهم من يقول كيدهن ـ لتعديل اختلال التوازن في العلاقة؟

خلال هذه المرحلة الانتقالية عملت المرأة في البداية على تقليد الرجل مستعملة نفس سلاحه ومجربة ما كان حكراً عليه، وأحياناً بارزته بإمكانيات لم يكن يتوقعها. لدرجة نسيت بعض المرات أنها ليست مشابهة له وإنما مساوية وأن الاختلاف حق وعنصر إغناء، عليها وعلى مجتمعها الاستفادة منه بدلاً من تغييبه. لكن رغم بعض التعثر في التحول، ساعد هذا التقارب على تعرَف كل طرف على الآخر وفهمه، وقلل من المسافة بينهما. لم تلغَ الفوارق، لكن أصبحت العلاقة أقل نزاعية. كما بات الرجل أقل تعسفا مع أبنائه وأكثر قرباً منهم ومشاركة في تربيتهم. على الأقل رمزياً، حيث الأب يجسد السلطة والقانون والأنا العليا، ووجوده بين زوجته وطفله ضروري للفصل بينهما. وهي كذلك بفضل تحولها للدراسة والعمل، أصبحت أكثر انطلاقاً وأقل حاجة للاستبداد بمن هم أضعف منها. خاصة وأن المرأة التي تحقق نفسها قبل أن تصبح أمّا تضطلع بتربية أبنائها بشكل أفضل. ذلك لما تتطلبه هذه المهمة من مهارات خاصة وقدرة على العطاء والتفاني لا تتمتع بها حكماً كل النساء بفطرتها. مما جعل العلاقة التربوية تنحو منحى أقرب للديمقراطية منه للتسلطية. وأصبح الأبناء أكثر ثقة بنفسهم وبالذين يتخذونهم نموذجا يحتذى في نمو شخصيتهم وفي تحقيق نجاحاتهم. فدور الأهل بذلك كبير، وبالأخص صورة الأم ومكانتها لديهم كعنصر أساسي في تكوين صورتهم الإيجابية عن أنفسهم.

بالطبع، هذا التحول لم يرق للكثيرين. فما زال العدد الكبير من الرجال يصرون على إبقاء مسافة بينهم وبين المرأة. بحيث لا نراها في حقل العمل والتعليم كما يفترض ولا في مراكز القرار. وإن وجدت، يوظف ذلك للاستعمال الدعائي، ولا يكون غالباً عن قناعة بقدراتها لشغل كل الأدوار وإنما لقرابتها من المتنفذ. فتبقى مقطوعة الجذور عن القاعدة النسوية وفاقدة التمثيلية. وهي إجمالا ما زالت تضحي بصعودها المهني من أجل الأسرة وتهدر طاقات كبيرة لتوازن بين عملها المهني ووضعها العائلي. مما لا يترك من الوقت ما يتيح لها تحقيق إبداعات كبيرة أو طموحات عالية. ثم أن تحقيق الإنجازات العظيمة يفترض وجود رؤيا داخلية لمشروع كبير وقدرة على نسيان الذات لتحقيقه. فكيف لها أن تنسى ذاتها وهي ما زالت تبحث عنها؟ وكيف لها أن تفكر بنفسها وهي ما زالت تغلب مصالح الجماعة على مصالحها الفردية؟

هذه الطاقات الخلاقة التي فقدت أحدثت نزيفا في جسم المجتمعات لم ينضب معينه بعد. وإن كنا اليوم نشهد تحولاً تدريجياً باتجاه عالم يطمح لنزع هيمنة طرف على الطرف الآخر وتحقيق وجود أكثر انسجاما وتآخياً وتآلفاً، نتساءل كم من الوقت سيستغرق تحول الوعي لممارسات سلوكية أقل تمييزاً وأكثر ديمقراطية تجاه هذه الفئة المستضعفة؟ فهل يخاف الرجل من الحب ومن سجنه؟ هل يهرب من وجه أمه الذي يلاحقه؟ وهل يمكن للجنسين أن يلتقيا؟

معظم دول العالم صدقت على اتفاقية التمييز ضد المرأة وعلى العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. لكن للأسف التصديق عليها أو الاقتباس منها في الدساتير والقوانين المحلية لا ينفي إمكانية تعطيلها على أرض الواقع. كما أن التعليم لا يعني إرساء المبادئ كسلوك عندما لا يتم التزاوج بين الإدراك الفكري والممارسة الفعلية. فما زالت المرأة حتى اليوم لا تملك على المستوى الدولي سوى 1% من الثروة العامة للجنس البشري. وفي حين أنها تسهم في 70% من ساعات العمل، لا يلحقها إلا 10% من موارد قوة عملها. كما أنها حتى ولو لم تطالب بحقوقها أو تحصل على العلم أو العمل، ما برحت، خاصة في البلدان النامية، تدفع غاليا جدا ضريبة الحمل والولادة. مما يشكل السبب الأول لوفاتها في بعض البلدان جراء التخلف وانعدام الخدمات الصحية اللازمة.

تظهر إحصاءات الأمم المتحدة أن 515000 امرأة تفقد سنوياً حياتها بسبب ذلك. ومقابل كل واحدة منهن هناك من 10 إلى 15 امرأة تصاب بالعجز أو العاهة بسبب تعقيدات الوضع. بما يعني أن الخطر محدق بها كلما وضعت مولوداً. ويزداد هذا الخطر بالطبع بازدياد عدد الولادات. ينتج كذلك عن هذه الوفيات حوالي مليون يتيم في السنة. وهؤلاء الأطفال مهددون في السنتين اللتين يتبعان وفاة الأم بخطر الوفاة من 3 إلى 10 مرات أكثر من الذين يعيشون مع والديهم. بما يعني أن التمييز ضد المرأة في التعليم والعمل والحصول على الموارد المالية والغذائية والطبية يؤثر كثيراً على ظروف وضعها للنسل البشري. ويؤثر بالتالي على ذريتها التي تعاني بدورها من الظروف القاهرة التي تطالها. يقولون: إن من تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسارها؟ وإن وراء كل رجل عظيم امرأة؟ لكن ماذا فعلوا لمساعدتهن على اجتراح المعجزات عندما جرى حرمانهن من مقومات الحياة الكريمة؟

إن كان هناك من اختلاف يقل أو يكثر بين مجتمع وآخر، يمكن القول أن المرأة في البلدان العربية عامة ما زالت رغم ثورتها على وضعها وحصولها على حقوق أكثر من ذي قبل، تعيش في وضع يميز أحياناً بقوة شديدة بينها وبين الرجل. فهي حتى عند حصولها على شهادات عالية ومراتب مهنية واجتماعية ما زالت لم تخرج كفاية من نطاق الأسرة. وما برحت أولياتها مختلفة عن أولياته بما يخص الحقل العام. علاوة على أنها تبقى في موقع أقل تأثيراً وتقديراً بكفاءات مشابهة أو إضافية. وعلى عكس المجتمعات الغربية ـ حيث التفرد قوي ومؤسسة الزواج في تراجع ـ التي ازدادت اتساعاً فيها نسبة اللواتي بخيارهن لا يسعين للزواج أو الإنجاب ويستمتعن بحياتهن من خلال مهنهن أو اهتمامات أخرى تغنيهن، يبقى الزواج في المجتمعات العربية الشغل الشاغل للمرأة. ذلك بالرغم من اتساع نسبة اللواتي لا يتزوجن، خاصة في بلدان الخليج العربي. لكن ليس عن قناعة بقدر ما هو بفعل خصوصيات تتعلق بهذه المجتمعات. يتطرق الفصل الثاني في هذا الكتاب لموضوع العنوسة، ضمن دراسة عن وضع المرأة في الأسرة الخليجية، بما يشمل الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والتعليم تستعرضه الباحثة مجد الشرع. كما تخصص الفصل الثالث للمرأة العاملة في الخليج ولدور الإعلام في موضوعاتها.

يقدم الفصل الأول بانوراما تستعرض فيها الدكتورة سبيكة النجار واقع الحركة النسائية في جميع بلدان الخليج العربي والجمعيات الفاعلة فيه منذ نشأتها وحتى اليوم.

إن كنا قد ركزنا في هذا الكتاب على أنموذج المرأة الخليجية فلكونه يبرز بوضوح أكبر التناقضات والصعوبات التي تواجهها المرأة في العالم العربي دون أن يشكل صورة عنها أو تكراراً لها.

الفصل الأخير تفرده كاتبة هذه السطور لتسليط الضوء على خلفيات السلوكيات التي تتحكم بالمرأة والرجل وبعلاقتهما ببعضهما وبأولادهما. علماً أن الآليات النفسية التي تتحكم بالبشر، وإن كانت تتأثر ببعض الخصوصيات، لا تختلف عامة باختلاف المكان والزمان.

نخلص للقول أن التقاء الإنسان بالآخر هو فرصة للتعرف على الذات. خاصة وأننا نعيش في عصر فرضت فيه بعض المفاهيم الجديدة نفسها على حساب الأنظمة المحافظة التي تتدخل في سائر تفاصيل حياة الجماعة. والمرأة التي بدأت تعي وضعها في زمن يعيد لها حقوقها أو معظمها وتجد نفسها مكبلة، لم يعد بإمكانها الصمت على ذلك دهراً. وهي عندما تتمكن من تأكيد نفسها بانعتاقها الاقتصادي تخرج غالباً من الحلقة المفرغة التي تدور فيها ومن الصراعات التي تتآكلها لما فيه خيرها وسلامة أسرتها. ولو أن الطريق غير معبد أمامها، فهي قادرة على اجتراح المعجزات عندما تفهم ذاتها والآخر وتعي أن الثورة العصابية ليست أفضل الطرق.

كذلك بدأ الرجل يعي أنه بقدر ما يخاف المرأة، بقدر ما يقمعها وبقدر ما يرتد ذلك سلباً عليه ويدفع ثمنه غاليا. ذلك عندما تعمد الضحية لتقليد جلادها في علاقة جدلية عنفية تراوح بين الفعل ورد الفعل الذي لا يتوقف. بالمقابل، بقدر ما يتعاطف معها ويتصالح مع الجزء الأنثوي في شخصيته، بقدر ما يتخلى عن العنف والتدمير ويتوازن مع ذاته ومع مجتمعه. فيساعدها على تحقيق ذاتها، عندما يعي أن هذا سيكون ليس على حسابه وإنما لصالحه. حتى ولو حصل اختلال توازن لصالح طرف على حساب الآخر، فمن سمات المرحلة الانتقالية أن تعيش أزمات نمو.

في حين أوصلت إبداعات الرجال البشرية لمرحلة متقدمة جداً تقنياً، نجد كوكبنا أكثر ما يكون خطراً وتهديداً حيث: الحروب والدمار والإضرار بالبيئة والطبيعة وانتصار قيم العنف والسيطرة على قيم التعايش بين مختلف الفرقاء واحترام الآخر في الذات وعند الغير والقبول بالتفرد والاختلاف وتقرير المصير. إن ما هو صحيح على صعيد الفرد يصحّ أيضاً على مستوى الجماعة والدولة والعلاقات الدولية. فالآليات النفسية التي تتحكم بالبشر هي ذاتها والعلاقة جدلية بين ما يحصل من عنف في نطاق الفرد والأسرة والمجتمع وما يحدث من قمع واستغلال من الدول المتقدمة للعالم النامي. منطق الأقوى ما زال يغلب أحياناً، بالرغم من الترسانة القانونية التي وضعت بكدّ وجد خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين للتحكيم بين البشر وتطويق شريعة الغاب.

هذا لا ينفي أنه رغم ما نشهده من أهوال ومآس، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، يبقى العصر الحالي أكثر توقاً للتخلص من عقد الماضي والعلاقات العدوانية بين البشر والهيمنة بين الدول. وبالرغم من نواقصها، باتت التشريعات الدولية في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان لا يستهان بها. هذا التطور أسهم في تحول المجتمعات المدنية للعب دور فاعل في تقرير مصير الشعوب والانتقال من وضعية الشجب والاحتجاج للمحاسبة على الجرائم التي ترتكب بحقها.

وحيث لا يمكن التقدم عندما يفقد المرء ثقته بنفسه وإيمانه بحقوقه، يبقى المطلوب العمل على النفس لتغيير النهج في التعاطي مع الوضع وخوض معارك التحول بطريقة أكثر ذكاء وأقل خسائر وتحطيماً للنفس وللغير. فالخطوة الهامة تكمن في القدرة على الانكباب على الذات لإصلاح ما فيها من شوائب وعيوب، من أجل الانطلاق نحو الآخر في علاقة أكثر ودَية واحتراماً لكرامته. فتحقيق الذات لا يكون على حساب الآخر وإنما بمعيته. ويدا بيد، وضمن علاقات شراكة لا تغييب، يبنى مستقبل أكثر إنسانية وديمقراطية بانسجام مع الطموحات المشروعة في الحرية والانعتاق من القيود.

د. فيوليت داغر

الفصل الأول

الحركة النسائية في الخليج

د. سبيكة محمد النجار(*)

المقدمة:

ظهرت الحركة النسائية في الخليج متأخرة كثيراً عن مثيلتها في مصر وبلاد الشام. ويمكن إرجاع السبب في ذلك إلى قوة التقاليد الإجتماعية التي حرمت على المرأة الظهور والمشاركة في الحياة العامة وتأخر تعليم البنات مقارنة بتعليم الذكور. إذ لم تتوسع الدول الخليجية في تعليم الفتاة إلا بعد ظهور النفط الذي ساعدها على إرساء دعائم الدولة الحديثة. افتتحت أول مدرسة حكومية للبنات في البحرين عام 1938 أي بعد ما يقارب أكثر من ربع قرن على بدء أول مدرسة حكومية للبنين. وقد تأخر إنشاء مدارس البنات أو التوسع فيها في سلطنة عمان وبعض إمارات ساحل عمان (الإمارات العربية المتحدة حالياً) إلى بداية السبعينات من القرن الماضي.

تأثرت البدايات الأولى للحركة النسائية في الخليج وبالأخص في البحرين والكويت بالحركة الثقافية السائدة في مصر وبلاد الشام. كذلك بكتابات المفكرين الذين تناولوا قضايا المرأة كرفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وغيرهم، وبرائدات الحركة النسائية العربيات مثل هدى شعراوي. وظهرت في الأربعينات من القرن الماضي بعض الأقلام الرجالية والنسائية التي تدعو المرأة للمساهمة في النهضة والتحرر من قيود التقاليد البالية.

سنحاول في هذا المقال دراسة تاريخ الحركة النسائية في منطقة دول مجلس التعاون الست: البحرين والكويت وقطر والأمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية.

أولاً ـ الحركة النسائية في البحرين:

لعب التعليم دوراً بارزاً في ظهور الحركة النسائية والذي تمثلت بداياته في ازدياد وعي المرأة بذاتها ومحاولتها الخروج على الوضع الذي فرضته عليها التقاليد والأعراف. كما لعبت الصحافة دوراً كبيراً في طرح القضايا الجديدة على الساحة الخليجية كضرورة انتشار التعليم بين النساء والدعوة إلى السفور وفتح مجالات العمل المختلفة أمام المرأة.

من ناحية ثانية لعبت الجاليات العربية، التي تولى أفرادها مسئولية التعليم في مدارس البنات، دوراً هاماً وأساسياً في بلورة وعي النساء وتشجيعهن على إنشاء جمعياتهن. فقد قامت المدرسات الوافدات العاملات في مدرسة الهداية الخليفية للبنات (حالياً مدرسة خديجة الكبرى) بإنشاء جمعية مساعدة اليتيم، وانضمت لهذا التجمع الصغير بعض بنات العائلات الغنية.

في عام 1953 تأسس نادي البحرين للسيدات برئاسة الليدي بلجريف، زوجة المستشار البريطاني، التي اختارت نخبة من سيدات الطبقات العليا اللواتي نلن قسطاً من التعليم مثل السيدة الفاضلة عائشة يتيم (سكرتيرة) والسيدة سلوى العمران (عضواً إدارياً). كان النادي يهدف إلى القيام بالأعمال الخيرية ومساعدة الفقراء والمحتاجين وتعليم النساء بعض المهارات كالطبخ والخياطة(1). وقد تعرض هذا النادي لهجوم على صفحات الجرائد وعلى منابر المساجد باعتباره عملاً منكراً وخروجاً على التقاليد والأعراف. بهذا الشأن أصدرت جماعة، أطلقت على نفسها جماعة الدعوة إلى الإسلام، بياناً نقتطف منه العبارات التالية: “قاطعوا هذا المنكر وأعلنوا الحرب النكر والنكير على القائمين والقائمات بأمره. واقتلوه في مهده قبل أن يرى النور، وإلا فالويل منه ثم الويل لنا جميعاً”(2).

على المستوى السياسي شهدت تلك الفترة تشكيل هيئة الاتحاد الوطني التي قادت العمل الوطني وبالأخص حركة 1945 ـ 1965. يعتبر المؤرخون الهيئة أول حزب سياسي في منطقة الخليج(3). ويؤرخ الباحثون بدايات الحركة النسائية مع ظهور هيئة الاتحاد الوطني ويشيرون بشكل خاص للدور الذي لعبته الأختان شهلا وبدرية خلفان في حث النساء على المشاركة في التظاهرات المناوئة للإستعمار البريطاني، والخطاب الذي ألقته إحداهما في جمع ضم آلاف المتظاهرين، طالبت فيه بإعطاء المرأة حقوقها وبخلع الحجاب. كانت هذه الدعوة مثار إعجاب لدى بعض الشباب المتعلم الذين بدأوا يحثون زوجاتهم على الإقتداء بهذه السيدة. إلا أن تأثيرها كان آنياً ونتيجة لزخم الحركة السياسية آنذاك والتأييد والحماس الذي أبدته المرأة تجاهها، إذ غابت الأختان خلفان عن ساحة العمل، كما ضربت الحركة بقسوة واعتقل قادتها.

اهتمت الصحافة بمسألة حقوق المرأة وأتاحت للأقلام العربية والبحرينية الفرصة للكتابة فيها. في هذا المجال تذكر المرحومة عزيزة البسام إن الكاتبة اللبنانية روز غريب كتبت في مجلة صوت البحرين وكان لها دور في طرح العديد من الآراء الإجتماعية المتقدمة. كما حثت الصحافة أيضاً على ضرورة دخول المرأة مجال العمل وتقلد المناصب الحكومية. وتناولت بعض الصحف مسألة السفور بالنسبة للمرأة وطالبت بنيل المرأة حقوقها، كما ظهرت للمرة الأولى عبارة الحركة النسائية والدعوة لربطها بالحركات النسائية المماثلة في الوطن العربي والعالم(4).

بالرغم من ذلك كانت قوة التقاليد والأعراف أقوى من هذه الدعوات التي لم تستثمر بشكل صحيح بحيث يمكن تأطير النساء ضمن حركة نسائية مطلبية. بالمقابل لم يكن قادة الحركة الوطنية راضين عن نادي السيدات. ليس فقط لأن العرف السائد في تلك المرحلة يعتبر الأندية حصراً على الذكور، لكن السبب الأهم هو أن النادي كان بقيادة زوجة المستشار البريطاني الذي يعد رمزاً للإستعمار البريطاني في البحرين. لذا دعا عبد الرحمن الباكر، أحد أبرز زعماء حركة 45 ـ 56 إلى إنشاء جمعية نسائية على غرار الجمعيات النسائية في مصر وبلاد الشام بدلاً من النادي. ونظراً لارتباط الكثير من التجار بالهيئة، فقد اضطر أولياء الأمور لمنع بناتهن من المشاركة في النادي(5). ووجدت القائمات عليه إن أفضل مخرج لهن من هذا المأزق هو إنشاء جمعية نسائية خيرية، هي جمعية نهضة فتاة البحرين التي بدأ العمل بها عام 1955. وبذلك نشأت أول منظمة نسائية في منطقة الخليج(6).

على غرار ما حدث في البلاد العربية كمصر وبلاد الشام، حيث قادت الحركة النسائية شخصيات ينتمين للطبقات الغنية والتي مكنتها ظروفها في تلك الفترة من التعليم والإحتكاك بالعالم الخارجي، فقد تكونت جمعية نهضة فتاة البحرين في غالبيتها من بنات العائلات التجارية اللواتي نلن قسطاً من التعليم. إذ حصلت رئيسة الجمعية السيدة عائشة يتيم على شهادة من بريطانيا، كما درست عضوتان أخريتان التمريض في العراق. هذا عدا العضوات اللواتي درسن في البحرين على يد مدرسات عربيات، من لبنان على وجه الخصوص، وحصلن على شهادة التعليم الإبتدائي أو ما يعادلها.

في عام 1960 نشأت جمعية رعاية الطفل والأمومة(7) التي تنتمي عضواتها في مرحلة التأسيس إلى الأسرة الحاكمة ونساء الطبقة التجارية الغنية وكبار موظفي الدولة.

ركزت الجمعيتان على العمل الخيري، كما افتتحت جمعية نهضة فتاة البحرين فصولاً لمحو الأمية بين النساء لأول مرة في تاريخ البحرين. ثم تطورت الخدمات الرعائية للجمعيتين بافتتاحهما رياضاَ للأطفال. وقامت جمعية رعاية الطفل والأمومة بافتتاح مركز لرعاية الأطفال المعوقين ومركز ثقافي للأطفال.

في الثمانينات انضمت لجميعة نهضة فتاة البحرين فتيات ممن أنهين دراستهن خارج البحرين، وبالأخص في الكويت والقاهرة وبيروت. وكن قد عملن في الحركات الطلابية وتأثرن بالحركات السياسية السائدة في ذلك الوقت وكان لإنضمامهن أثر كبير في توجه الجمعية وتركيزها على الجانب الحقوقي والمطلبي للمرأة.

كما أنشئت جمعية أوال النسائية على إثر نكسة حزيران وتم إشهارها رسمياً عام 1970، أي بعد عشر سنوات تقريباً من تاريخ إشهار جمعية رعاية الطفل والأمومة. تنحدر عضوات هذه الجمعية من الطبقة الوسطى وغالبيتهن مدرسات أو موظفات. نشطت في هذه الجمعية فتيات ممن تلقين دراستهن في الخارج والتصقن بالحركات الطلابية والسياسية السائدة في ذلك الوقت، كما شارك بعضهن في التنظيمات السياسية الوطنية كالجبهة الشعبية لتحرير الخليج والجزيرة العربية التي قادت العمل المسلح انطلاقاً من إقليم ظفار بسلطنة عمان. كذلك جبهة التحرير الوطني وهي الجناح البحريني للحزب الشيوعي، بالإضافة لحزب البعث العربي الإشتراكي. وكان للخلفية السياسية لقيادة الجمعية عند إنشائها أعظم الأثر في توجهات الجمعية التي رفضت العمل الخيري والرعائي السائد وركزت على العمل المطلبي الحقوقي النسوي(8).

في نفس السنة أي عام 1970 تم إنشاً جمعية الرفاع الثقافية الخيرية وعضواتها من الموظفات وخاصة المدرسات. كانت في بدايتها قريبة إلى حد ما من توجهات جمعية أوال وخاصة في المطالبة بحقوق المرأة في قانون الأحوال الشخصية وحقوق المرأة السياسية. إلا أنها ركزت بعد ذلك على العمل الخيري الرعائي خاصة بعد حل المجلس الوطني وإصدار قانون أمن الدولة، حيث أضحى أي تحرك من أجل حقوق المرأة يفسر على أنه عمل سياسي. كما أنشئت جمعية النساء الدولية عام 1974 التي تتألف من نساء ينتمين إلى الطبقة التجارية العليا ومن زوجات العاملين في السلك الدبلوماسي أو المدراء وأصحاب الأعمال الأجانب.

حقوق المرأة السياسية:

تأثرت المرأة في البحرين، وكما سبق الإشارة له، بحركة 54 ـ 56. إلا أن دورها آنذاك كان بسيطاً. كما تأثرت أيضاً بالحركات القومية في العالم العربي وانضم بعض النساء لهذه التنظيمات خاصة إبان تواجدهن في الخارج للدراسة. كما حاولت التنظيمات السرية العاملة في البحرين، والمرتبطة بطبيعة الحال بالتنظيمات العربية أو الشيوعية والماركسية، تنظيم النساء في صفوفها. إلا أنها لم تعر اهتماماً يذكر بقضية المرأة. وقد تأثرت النساء بحركة 65 التي سادت في البحرين لمدة تقارب من الستة شهور، فخرجت الطالبات في المظاهرات التي عمت البلاد. وكانت لمشاركتهن هذه فرصة لهن للخروج خارج أسوار المنزل والمدرسة والمطالبة مرة أخرى بتحرير المرأة(9). لعبت المدرسات البحرينيات، الحديثات التخرج من الجامعات في القاهرة وبيروت ودمشق، دوراً بارزاً في هذا المجال. وكان لهن دور في تثقيف الطالبات أو توجيههن للعمل السياسي. مما كان له أثر واضح في تعميق وعي الطالبات النقدي والتقدمي(10). توقف دورهن إثر ضرب الحركة، ولم يؤثرن في الحركة النسائية بعد ذلك وأحجمن عن المشاركة الفاعلة في الجمعيات النسائية.

لعبت جمعية أوال النسائية دوراً بارزاً في العمل على تثبيت حق المرأة السياسي في الإنتخاب والترشيح. شاركتها في ذلك جمعية الرفاع الثقافية الخيرية وجمعية نهضة فتاة البحرين. وقد قامت هذه الجمعيات بحملة توعية بين النساء لتثبيت حقهن السياسي، كما أقامت مع عناصر من التيارات السياسية المؤيدة لحق المرأة بالعديد من الندوات واللقاءات في النوادي من أجل شرح وجهة نظرهن. وتبنت كذلك عريضة أرسلت إلى رئيس المجلس الوطنى آنذاك وإلى أمير البلاد ووقعتها العديد من الأندية إلى جانب الجمعيات الثلاث أوال والنهضة والرفاع، وامتنعت عن التوقيع جمعية رعاية الطفل والأمومة. يرى أميل نخلة أن امتناع الأخيرة يرجع إلى الأصول العائلية لعضواتها، فهن حسب رأيه مستفيدات مباشرة من الوضع القائم. ولهذا فإنهن أكثر تفهماً لموقف الحكومة من حرمان المرأة من حقها السياسي(11).

في هذه الفترة وبالتحديد سنة 1973، تصدت جمعيات أوال والنهضة والرفاع لأطروحات نواب الكتلة الدينية لمنع الإختلاط في الأماكن العامة والعمل ومنع المدرسات من تدريس الإطفال الذكور في المدارس الإبتدائية ورياض الأطفال، وكذلك منع الممرضات والطبيبات من معالحة المرضى الذكور. وأعتبرت الجمعيات هذا المشروع “محاولة مشبوهة تستهدف النيل من الحريات الشخصية للمواطنين، متخذين من المرأة وسيلة للمتاجرة بالشعارات والمزايدات”(12).

لم يتح العمر القصير للمجلس الوطني الفرصة للجمعيات النسائية من إنضاج تجربتها. وبحل المجلس الوطني وسيادة قانون أمن الدولة تراجع العمل النسائي وتضاءل معه الأمل في خلق حركة نسائية فاعلة. ولا بد هنا من الإشارة إلى بعض المآخذ التي شابت العمل النسائي في تلك الفترة والتي يمكن إيجازها في التالي:

1 ـ عدم قدرة الجمعيات على التواصل بشكل صحيح مع القاعدة النسائية في مدن وقرى البحرين.

2 ـ تأخر التحرك إذ جاء قبل أيام معدودة من صدور قانون الإنتخابات الذي حرم المرأة من حقها السياسي.

3 ـ عدم التوجه لبعض الشخصيات النسائية التي لعبت دوراً بارزاً في العمل النسائي أو الشخصيات ذات النفوذ في البلاد.

4 ـ عدم استمرار التحرك في فترة قيام المجلس الوطني بنفس وتيرة العمل خلال فترة انعقاد المجلس التأسيسي الذي وضع مسودة الدستور.

حقوق المرأة العاملة:

شكل موضوع الدفاع عن حقوق المرأة العاملة هدفاً أساسياً نصت عليه اللوائح الأساسية في كل من جمعيتي أوال النسائية وجمعية نهضة فتاة البحرين (بعد دخول عناصر شابة وتعديل دستور الجمعية القديم). إلا أنها عجزت عن ترجمة هذا الهدف لخطط واستراتيجيات واضحة. فجاء عملها كرد فعل عفوي على بعض المشاكل التي تتعرض لها المرأة العاملة في مواقع العمل وتنتهي بانتهاء الحدث أو المشكلة(13).

قانون الأحوال الشخصية:

تضافرت جهود الجمعيات النسائية والجمعيات الأخرى ذات العلاقة وبعض الشخصيات للمطالبة بسن قانون للأحوال الشخصية. تشكلت لهذا الغرض لجنة الأحوال الشخصية التي أخذت على عاتقها القيام بحملات توعية في صفوف النساء وعلى صفحات الصحف. ولم تسفر هذه الجهود في إقناع المسئولين بسن القانون إلا مؤخراً، حيث تشكلت لجان لمناقشة مسودة قانون الأسرة ليعرض على المجلس الوطني لإقراره. مما يذكر للجنة الأحوال الشخصية نجاحها في تجميد تنفيذ حكم الطاعة بقوة الشرطة والحد من الطلاق التعسفي، إذ لا يصح الطلاق الآن إلا أمام القاضي(14).

إضافة لذلك قامت جمعيتي نهضة فتاة البحرين وجمعية أوال النسائية، كل على حدة، بإنشاء مركز إستشارات قانونية وأسرية. مما يعتبر خطوة رائدة في مجال العمل على تحسين أوضاع المرأة. كما أنشأت جمعية رعاية الطفل والأمومة مركزاً لدراسات المرأة والطفل والذي يضم مكتبة متخصصة. إلا أن المركز هذا لازال يفتقر إلى باحثين متخصصين وإلى الدعم المادي والبشري ليتمكن من القيام بدور أكبر في مجال البحوث عن المرأة.

الحركة النسائية في البحرين منذ التسعينات:

تفاعلت النخبة المثقفة من النساء مع الأحداث التي سادت في البحرين في الفترة الممتدة من 1999 ـ 1994 وقمن بتوقيع عريضة لأمير البلاد آنذاك، الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، يناشدنه فيها بتحقيق المطالب الشعبية ومنها الديمقراطية والبرلمان. واجهت الحكومة هذا التحرك البسيط بشدة وهددت الموقعات على العريضة بفصلهن من العمل إذ لم يعتذرن ويسحبن تواقيعهن. وبالفعل تم فصل سيدتين هما: حصة الخميري والمرحومة عزيزة البسام، كما تم تجميد الدكتورة منيرة فخرو، الأستاذة في جامعة البحرين، عن العمل، ولم تعاد إليه إلا بعد الإصلاحات السياسية في البحرين عام 2001.

كما انضمت النساء للحركة الشيعية المعارضة في فترة التسعينات واعتقل بعضهن وتعرضن للتعذيب داخل المعتقل واستشهدت إحداهن. كما عانت الكثيرات منهن مرارة الإبعاد عن الوطن. إلا أن طابع الحركة الديني واقتصاره على طائفة معينة لم يخلق حركة نسائية مطلبية واضحة المعالم. بل العكس هو الصحيح إذ تم التركيز على وضع المرأة الدوني، ولم ينظر لها كشريك في النضال الوطني بل كتابع للرجل.

بعد الإصلاحات السياسية التي حدثت في البلاد أواخر عام 2000، والتي تمثلت في عودة المبعدين وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإتاحة هامش من الحريات العامة، تم التوسع في إنشاء جمعيات المجتمع المدني السياسية والإجتماعية والدينية. وظهرت الجمعيات السياسية على إختلاف تلاوينها ودخلت المرأة في هذه الجمعيات. إلا إنها إلى الآن لم تعِ لضرورة تثبيت مطالبها الحقوقية النسوية وإقناع هذه الجمعيات بوضع هذه المطالب في بؤرة إهتمامها. هذا إلى جانب التخبط الذي تعيشه الجمعيات السياسية نتيجة لتسارع الأحداث. الأمر الذي لم يمكنها من ترتيب أوضاعها الداخلية وتحديد أولوياتها وبناء استراتيجياتها وخططها.

من ناحية أخرى ظهرت على الساحة جمعيات نسائية متعددة يشكل أغلبها امتداداً للجمعيات السياسية. ولم تخرج هذه الجمعيات عن النمط السائد للعمل النسوي من زيارة للمسنين وإقامة الندوات المقتصرة على النخب النسائية. إلا أن الجمعيات النسائية ذات التوجه الديني، أو اللجان الملحقة بالجمعيات الدينية(15)، تتمتع نتيجة لتوجهاتها الدينية بقاعدة جماهيرية واسعة. لكنها لازالت أسيرة سيطرة الجمعية الأم حيث لم تستطع الخروج من عباءتها، وبالأخص فيما يتعلق بمبدأ المساواة بين الجنسين، وقانون الأحوال الشخصية الموحد للطائفتين السنية والشيعية، والاختلاط وغير ذلك.

ثانياً ـ الحركة النسائية في الكويت:

يمكن إرجاع البوادر الأولى للحركة النسائية الكويتية إلى الأربعينات من القرن الماضي، حيث بدأ تعليم البنات ينتشر بالرغم من الصعوبات التي واجهته والتي تمثلت في معارضة القوى المحافظة لتعليم الفتاة. وقد ظهرت في أواخر 1948 بعض الأقلام النسائية التي تدعو المرأة إلى المشاركة بوعي في الحياة العامة. كما كتبت بعض الشخصيات الرجالية مؤيدة لحق المرأة في الحرية. وفي عام 1953 أجتمعت مجموعة من الشابات مناديات بالسفور، وأطلق على هذا الإجتماع “ندوة الحجاب. أثار خبر الاجتماع العديد من ردات الفعل المؤيدة والمعارضة. إلا أن هذه الحركة لم تخرج عن نطاق الإجتماع والكتابة في الصحف، لكنه دفع المرأة للتفكير في إنشاء جمعياتها على خطى الجمعيات العربية”(16).

جاء إنشاء الجمعيات النسائية في الكويت متأخراً عن البحرين بعدة سنوات. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدم وجود حركة سياسية قوية وإلى الرفاه الاقتصادي الذي عاشته الكويت. كذلك لقوة التقاليد والعادات التي جعلت المرأة تتردد في القيام بهذه الخطوة، أو بخلع الحجاب الذي نظرت إليه الفتيات العائدات من الدراسة في الخارج كقيد وكرمز لتخلف المجتمع. وهذا ما عبرت عنه أحدى الكتابات النسوية في الخمسينات من القرن الماضي حيث تقول: “في بلد كهذا لا يزال أهله متمسكين بالتقاليد القديمة ولا يزال الجيل المتقدم في السن يعد كل حركة تقوم بها المرأة في سبيل التحرر من قيود التقاليد .... فإن هذا العائق له من الأثر الجبار ما يحتم علينا التريث والتبصر في خلع الحجاب مرة واحدة”(17).

في بداية الستينات من القرن العشرين حاولت بعض الفتيات العائدات من الدراسة في الخارج تشكيل نادٍ نسائي باسم “نادي المرأة الكويتية”. وتذكر السيدة لولوة القطامي، وهي إحدى قياديات العمل النسائي، إن دافعهن لإنشاء النادي هو “تنظيم الجهود من خلال كيان إجتماعي قانوني يحقق طموحاتهن في تغيير إجتماعي وثقافي يحتضن القيم والمثل الكويتية، ويصب في صالح الأغلبية من نساء الوطن، ويساعد على تمكينهن من القيام بدورهن المطلوب كمواطنات وأمهات وزوجات”(18).

إلا أن السلطات الحكومية رفضت السماح لهن بالعمل مراعاة للتقاليد السائدة آنذاك والتي كانت ترفض فكرة النادي للبنات. لذا أعادت المجموعة طلبها بإنشاء جمعية نسائية تحت إسم “الجمعية الثقافية الإجتماعية النسائية” التي أشهرت رسمياً بتاريخ 10 فبراير عام 1963. وقبل ذلك بأيام قليلة، وتحديداً في 17 يناير من نفس العام، سمح لجمعية النهضة العربية النسائية، التي غيرت إسمها ليصبح جمعية النهضة الأسرية بالعمل(19).

ركزت الجمعية الثقافية في أهدافها على الجوانب الحقوقية مثل: المطالبة بحقوق المرأة الدستورية وتعزيز وعيها بحقوقها الشرعية والعمل من أجل تعديل الأوضاع والقوانين الوضعية والأعراف الإجتماعية التي تمس حقوق المرأة. ولم تهمل الهدف الخيري، لكنها لم تعطه أهمية أساسية(20). في حين جاءت أهداف جمعية النهضة الأسرية أكثر عمومية وتركزت على مساعدة الفتاة الكويتية بنشر الوعي الثقافي والعلمي والمطالبة بحقوقها ومعالجة الأمراض الإجتماعية والتوعية بأهمية الأسرة وكذلك الإطلاع على نهضة المرأة في البلاد العربية. ولم يرد ذكر العمل الخيري ضمن أهدافها. يرجع السبب في عدم إعطاء العمل الخيري أهمية، على العكس من الجمعيات النسائية في البحرين، إلى الوفرة الإقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة في الكويت مقارنة بالبحرين وتكفل الدولة برعاية الفئات المحتاجة.

تشابهت أنشطة الجمعيتين وغلب عليها الطابع الرعائي التوعوي كإنشاء دور حضانة للأطفال، والقيام بحملات نظافة وتوعية صحية في المناطق النائية من الكويت، وفتح صفوف لمحو الأمية والقيام بمحاضرات وندوات لتوعية الأسرة والمجتمع. كما وتركز عملهما الخيري خارج حدود الكويت حيث تمثل بإنشاء قرى حنان لرعاية الأيتام في السودان، ودعم المجهود الحربي لتحرير فلسطين. حرصت الجمعيتان على الارتباط بالعمل النسائي العربي، حيث مثلت جمعية النهضة الأسرية الكويت في الاتحاد النسائي العربي، كما ساهمت أيضاً في إنشاء لجنة العمل النسائي في الخليج والجزيرة بهدف ربط وتنسيق العمل النسائي في هذه المنطقة. إلا أن عمل هذه اللجنة تركز على عقد المؤتمرات، إلى أن توقف نهائياً بعد الأزمة العراقية الكويتية.

في عام 1974 حاولت الجمعيتان إنشاء إتحاد نسائي لتأطير العمل النسائي الكويتي والدفع بالمطلب النسوي الحقوقي خطوات للأمام. لكن عمر الاتحاد القصير لم يمكنهما من تحقيق هذا الهدف. فتم حل الاتحاد بقرار من وزارة العمل والشئون الإجتماعية عام 1977 على إثر انسحاب الجمعية الثقافية منه. وفي الفترة الممتدة من عام 1981 إلى 1990، وهي الفترة التي شهدت قيام الجمعيات الإسلامية، أنشئت في الكويت جمعيتان إسلاميتان هما: جمعية بيادر السلام وجمعية الرعاية الإسلامية. كما أنشأت الجمعية الكويتية التطوعية النسائية لخدمة المجتمع على إثر الغزو العراقي للكويت.

يغيب العمل في المجال المطلبي النسوي الحقوقي عن عمل هذه الجمعيات. وقد يكون في توجه جمعيتي بيادر السلام والرعاية الإجتماعية المحافظ ما يدفعهما لمعارضة مطلب مثل حقوق المرأة السياسية ومشاركتها في الحياة البرلمانية. تركز هاتان الجمعيتان على التوعية الإسلامية وتحفيظ القرآن والعمل الخيري وتدريب الفتيات على بعض المهارات الفنية وإنشاء رياض الأطفال. وتنشط الجمعية الكويتية للعمل التطوعي في توعية المرأة بأهمية العمل التطوعي وترسيخ الإنتماء والولاء للوطن والإهتمام بالطفولة والأمومة والعمل الخيري.

عام 1994 تم تسجيل الاتحاد الكويتي للجمعيات النسائية، برئاسة الشيخة لطيفة زوجة ولي العهد. وقد ضم في عضويته الجمعيات الثلاث السابق ذكرها إلى جانب نادي الفتاة، في حين امتنعت جمعية النهضة النسائية عن الإنضمام إليه معتبرته مناورة من السلطة لسحب البساط من تحت أرجلها وتقييد حركتها. ولم يكن الاتحاد بفعل توجهات الجمعيات الأعضاء فيه فاعلاً على الساحة النسائية. فاقتصر عمله على التنسيق بين الجمعيات الثلاث (أنسحب نادي الفتاة لعدم انطباق شروط العضوية عليه) وحل أية خلافات قد تنشاً بينها، وتمثيل المرأة داخل الكويت وخارجه. يتمتع الاتحاد بدعم الحكومة، إلا أن عدم إنضمام الجمعية الثقافية لعضويته وإهماله من ناحية أخرى للعمل النسوي المطلبي يشكلان نقطة ضعف تجعل الاتحاد جمعية أخرى لا تختلف في أنشطتها وتوجهاتها عن الجمعيات الأعضاء فيه.

الحقوق السياسية للمرأة في الكويت:

استندت المرأة الكويتية في مطالبتها بحقوقها السياسية وخاصة حقها في المشاركة في مجلس الأمة انتخاباً وترشيحاً على المادة 29 من الدستور التي تنص على أن: “الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم منساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين”. إلا أن قانون الإنتخاب حصر الحق في المشاركة في مجلس الأمة على المواطنين الذكور وبالتالي حرم المرأة حسب رأي نورية السداني من ثلاث حقوق أساسية هي الحق في الترشيح والإنتخاب وفي تولي منصب وزيرة(21).

كان تأثير تجربة المرأة المصرية منذ بداية نضالها بقيادة هدى شعراوي واضحاً على التجربة الكويتية. تذكر نورية السداني في كتابها المسيرة التاريخية للحقوق السياسية للمرأة الكويتية: “وهنا في الكويت كأن التاريخ العربي يعيد نفسه من جديد بعد ثمانية عقود من زمن مضى من هذا القرن، هاهي ذات الوسائل التي اتبعت في ذاك التاريخ تتبع في هذا التاريخ في الكويت (...) المهم أننا في تلك اللحظات التاريخية التي عاشها المجتمع الكويتي بدءً من عام 1973 وصولاً لعام 1982 هي ذاتها التي عاشها المجتمع المصري في بداية هذا القرن، بذات وسائلها من الصحافة إلى البرلمان (...) حتى بالنسبة للضغوط النسائية، نجدها ذاتها، فعلى هذا المستوى أيضاً بدأت مسيرة المرأة المصرية ضمن إطار جمعياتها النسائية في عام 1924”. كما تشير الكاتبة إلى تأثير الأحداث التي مرت بها المرأة العربية إثر نكسة حزيران 1967 على إعادة النظر في عمل الجمعيات في الكويت: “صدمة عام 1967 جعلتني أغير تفكيري وأسلوب حياتي، فطريق العمل ليس أسواقاً خيرية ومعارض وتصفيقاً وهبلاً لا ينتهي (....) السطر الأول في التفكير الجديد خروج الجمعيات النسائية الكويتية عن خط العمل الخيري”(22).

بعد هذا التصريح بأربع سنوات، وفي 15 ديسمبر 1971، عقد أول مؤتمر عام للمرأة في منطقة الخليج. لقد طرح مطالب نسوية حقيقية ونوقشت فيه عدة مواضيع تمس الحقوق السياسية والإجتماعية للمرأة. كما رفعت سبعة مطالب لمجلس الأمة تناولت حق المرأة في المشاركة السياسية الكاملة وحقها في المشاركة في الشأن العام، إلى جانب بعض المطالب المتعلقة بالأحوال الشخصية. عند قراءة هذه المطالب يتضح وضع المرأة الكويتية المتدني في تلك الفترة والتطور الذي حققته في السنوات اللاحقة، حيث حققت المرأة الكويتية تقدماً ملموساً على مستوى مشاركتها في الشأن العام، وأصبح بينها المحاميات وصاحبات الأعمال كما تحقق لها قانون للأحوال الشخصية(23).

مما يؤخذ على القائمات على هذه المطالب عدم استمراريتهن فيها بالرغم من وجود بعض المحاولات المتفرقة لإقامة ندوات وحملات توعية عن حقوق المرأة السياسية في صفوف طالبات الجامعة مثلاً. إلا أن هذه الحملات فشلت في الوصول إلى القاعدة العريضة من النساء في البيوت والأحياء، حيث نشطت في صفوفهن التيارات السلفية المعارضة لحقوق المرأة.

في فبراير 1977 تم رفع عريضة لولي العهد موقعة من 395 إمرأة تتضمن مطالب من أهمها حصول المرأة الكويتية على حقها السياسي. إلا أن مجلس الأمة رفض هذا الحق للمرأة وذلك في جلسته في 19 يناير 1982، أي بعد ما يقارب التسع سنوات من رفع المطالب التي خرج بها المؤتمر النسائي السابق ذكره.

ترى السيدة نورية السداني أن الجمعيات النسائية فشلت فشلاً ذريعاً في خدمة قضية المرأة ولم تتحرك قبل جلسة مجلس الأمة السابق ذكره. وقد لخصت الأسباب التي أدت إلى هذا الفشل في النقاط التالية:

1 ـ انعدام التنسيق بين الجمعيات النسائية.

2 ـ تشتت وتفكك الحركة النسائية الكويتية.

3 ـ غياب جمعية النهضة الأسرية أحد أبرز أعمدة المطالبة بحقوق المرأة.

4 ـ قلة خبرة الجمعيات التي تأسست حديثاً كنادي الفتاة.

5 ـ غياب التخطيط السليم لبرامج الجمعيات من أجل تشكيل قوة ضاغطة مؤثرة.

6 ـ عدم تبني الجمعيات لاستراتيجية مرحلية في العمل النسائي.

7 ـ عدم ممارسة ضغط في الساعات الحاسمة وغياب النساء عن حضور جلسة 19 يناير التي نوقشت فيها الحقوق السياسية للمرأة.

8 ـ الإحباط الذي ساد الأمة العربية في فترة السبعينات والثمانينات.

9 ـ سيطرة التيارات الدينية المعارضة لحقوق المرأة على الشارع العربي(24).

بعد الأزمة الكويتية في التسعينات وفي ظل غياب مجلس الأمة، أصدر أمير الكويت مرسوماً أميرياً يمنح المرأة حقها السياسي، وذلك تقديراً لجهودها في الدفاع عن الكويت في فترة الإحتلال. إلا أن مجلس الأمة الذي أعيد إنتخابه بعد ذلك أفتى بعدم قانونية المرسوم ورفض بأغلبية بسيطة حقوق المرأة السياسية. والغريب أن شخصيات معروفة بليبراليتها صوتت ضد حق المرأة في المشاركة السياسية(25).

حاولت النساء تنظيم أنفسهن والعمل كقوة ضغط من خلال محاولات قلة من النخبة النسائية تسجيل أنفسهن في سجل الإنتخابات واللجوء إلى المحكمة الدستورية لانتزاع حقهن السياسي، إلا أن هذه الأخيرة خذلتهن عندما أفتت بعدم دستورية منح المرأة لحقها السياسي. مما يجعلنا نستنتج أن نضال المرأة الكويتية في هذا المجال هو طريق طويل يحتاج منها للصبر والعمل الدؤوب وتكثيف الجهود لتوعية القاعدة العريضة من النساء. كذلك محاولة كسب تأييد التيارات الإسلامية المعتدلة، والتنسيق والتعاون بهذا الخصوص مع كافة مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني.

ثالثاً ـ الحركة النسائية في الدول الخليجية الأخرى:

لا توجد حركة نسائية ذات مطالب نسائية حقوقية في الدول الخليجية الأخرى عدا البحرين والكويت وإلى حد ما في المملكة العربية السعودية. يرجع ذلك إلى حداثة إنشاء مؤسسات الدولة الحديثة في تلك الدول وتأخر تعليم الفتاة وقوة تأثير الحكومة المركزية والولاء المطلق لرأس الدولة والحكومة.

المملكة العربية السعودية:

بالرغم مما تعانيه المرأة في المملكة العربية السعودية من قيود قاسية فرضها النظام الإجتماعي والسياسي، إلا أنها سبقت أخواتها في الدول الخليجية الأخرى بإنشاء جمعياتها النسائية التي ترأستها في أغلب الأحيان أميرات من البيت السعودي وشاركت في عضويتها زوجات وبنات الطبقات الغنية في المملكة. فقد إنشئت الجمعية النسائية الخيرية في جدة في 28 فبراير 2002. ويسيطر العمل الخيري على أهدافها التي تتدرج من تقديم المساعدات المادية والعينية للأسر المحتاجة إلى تقديم الخدمات الإيوائية للمعاقين والأيتام وذوي الظروف الخاصة وأبناء السجينات. كما تهتم برعاية الطفولة والمرأة والفتاة من الناحية الإجتماعية والصحية والإقتصادية وتأهيل الفتيات عن طريق الندوات والمحاضرات(26).

يوجد حالياً 19 جمعية نسائية خيرية تتوزع على كافة مناطق المملكة، ولا تخرج هذه الجمعيات عن الأهداف السابق ذكرها أو عن النسق الذي رسمته لها الحكومة والأعراف الإجتماعية. وتعبر المرأة السعودية عن رفضها لهذه القيود في الأدب والفن. كما تنشط المرأة السعودية في قطاع الأعمال.

لكن بالرغم من وجود عدد من المتعلمات وحاملات المؤهلات العليا فلا زالت المرأة مقيدة بالعمل في المجالات النسائية فقط. وتواجه أية حركة مطلبية من النساء مهما كانت بساطتها بقسوة شديدة من قبل السلطة ورجال الدين(27). وبالرغم من انضمام المملكة إلى إتفاقية مناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة إلا أنها أبدت تحفظات ضد جوهر الإتفاقية نفسها، كما أنها لم تحدث أي تغيير في الوضع القانوني للمرأة.

قطر:

تغيب الجمعيات النسائية الأهلية في دولة قطر، حيث يتركز العمل النسوي في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة الذي ترأسه زوجة الأمير. أنشئ المجلس بناء على القرار الأميري رقم 35 لسنة 1998 وجاء لسد فراغ مؤسسي في قطاع التنمية الأسرية وتعزيز آليات التنسيق بين الوزارات والمؤسسات المختلفة المعنية بقضايا التنمية الإجتماعية. يضم المجلس نخبة من الخبرات النسائية القطرية وبالأخص من أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة قطر. وفي 5 مارس 2000 تم إنشاء لجنة شئون المرأة بهدف الإهتمام بحقوق المرأة وواجباتها، والتأكيد على دور المرأة في التنمية المستدامة وضمان حقها في المشاركة في الأدوار القيادية ومواقع صنع القرار، وتعزيز دور الجمعيات الأهلية وتمكينها من تنفيذ البرامج المتعلقة بالمرأة(28).

بالرغم من حداثة العمل النسائي في قطر، فإن المرأة القطرية تتمتع بتشجيع القيادة السياسية، حيث نالت الحق في المشاركة في أول تجربة إنتخابية ورشحت نفسها لعضوية المجلس البلدي المركزي. ويأتي حصول المرأة على حقها في الإنتخاب والترشيح ليختصر سنوات من معاناة طويلة للسعي لإقناع الرجل صاحب السلطة السياسية بأحقية المرأة وكفاءتها في إدارة المناصب القيادية والمشاركة في الحياة السياسية(29).

لقد واجهت النساء اللواتي رشحن أنفسهن الكثير من المعارضة من قبل المجتمع المحافظ. إذ تعتبر هذه الخطوة قفزة كبيرة لم يستطع المجتمع القطري استيعابها، وخاصة في ظل تقاليد مفرطة في محافظتها ترفض أو تضع قيود على مسائل تخطتها العديد من المجتمعات العربية المسلمة كالاختلاط وسياقة السيارة مثلاً. لذا فإن إحداث تغييرات اجتماعية لصالح المرأة يتطلب الكثير من الجهد من قبل الفئة الواعية من النساء والرجال على حد سواء. كما يتطلب أيضاً “اختراقاً للذات التقليدية للمرأة ولمنظومة قيم المجتمع وبعض موروثاته الاجتماعية”(30).

بالإضافة إلى إطلاق القوى الإبداعية للمجتمع والسماح له بإنشاء منظماته الأهلية وإتاحة هامش واسع من حرية الرأي والسماح بالتعددية السياسية. فالعمل الفوقي المفروض من قبل القيادة السياسية على القواعد الشعبية لا يمكن أن يكتب له النجاح إذا لم يدعمه مجتمع مدني قوي وفاعل ومجتمع يتمتع بحرية وديمقراطية حقيقيتين.

الإمارات العربية المتحدة:

أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد بدئِ في إنشاء الجمعيات النسائية مباشرة بعد الإستقلال وقيام الاتحاد الذي ضم سبع إمارات صغيرة أكبرها وأغناها إمارة أبو ظبي. جاءت الجمعيات كجزء من استكمال مظاهر ومتطلبات الدولة الحديثة ولسد حاجة هذه الدولة الناشئة في إيصال بعض الخدمات الرعائية للمرأة مثل: التدريب الحرفي والتعليم والتوعية الأسرية وغير ذلك. لقد حظيت الجمعيات النسائية في دولة الإمارات بالدعم الكامل من الحكومة حتى أصبحت وكأنها مؤسسات حكومية أكثر منها جمعيات أهلية، وترأستها في الغالب زوجات الحاكم في الإمارة أو قريباته.

تعتبر جمعية نهضة المرأة الظبيانية (فبراير 1973) أول جمعية نسائية في دولة الإمارات العربية المتحدة. تلتها خمس جمعيات نسائية “كلها تحذو حذو جمعية النهضة النسائية وتسترشد بخطواتها من أجل تحقيق هدفهن المشترك لرفع شأن المرأة ومكانتها والنهوض بها”(31).

في شهر مارس 1975 تم إشهار الاتحاد النسائي المكون من الجمعيات الست برئاسة الشيخة فاطمة حرم رئيس الدولة. يهدف الاتحاد إلى النهوض بالمرأة العربية في البلاد روحياً واجتماعياً وثقافياً، ومد النشاط النسوي ليشمل كافة إمارات الدولة، ودعم النهضة الوطنية الشاملة التي تعم البلاد، ومتابعة إقامة علاقات وطيدة مع الجمعيات والاتحادات النسائية الأخرى في الخليج والمنطقة العربية، وأخيراً متابعة نشاط الهيئات النسائية الدولية والتعاون معها(32). ويغلب على نشاط الاتحاد وجمعياته الأعضاء الطابع الرعائي في أنشطتها مثل التوعية الصحية، رعاية الطفولة والأمومة، التوعية الدينية، طبق الخير والأنشطة الخيرية وتدريب المرأة على بعض المهن والحرف اليدوية.

سلطنة عمان:

تختلف مسيرة المرأة في سلطنة عمان في الفترة التي سبقت وصول السطان قابوس إلى الحكم عن مسيرة المرأة في الخليج. فقد شاركت المرأة العمانية في الكفاح المسلح بقيادة جبهة تحرير ظفار، ثم الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي. كما أدرجت الأخيرة في برنامجها قضية المرأة. إلا أن الفقر والأمية وظروف الحياة السياسية لم تمكنها من تحقيق هذا البرنامج. وقد ركزت الجبهة الشعبية على تعليم النساء ومحو أميتهن. يرجع الفضل في ذلك إلى المناضلة البحرينية ليلى عبد الله فخرو التي عملت في صفوف الجبهة الشعبية وأدارت مدارساً لتعليم الفتيات في إقليم ظفار جنوبي عمان. ولا يزال الكثيرون في السلطنة يذكرون لها ذلك.

بعد تولي السلطان قابوس للحكم والقضاء على الجبهة الشعبية تسارع التطور في السلطنة وأنشأت مدارس للبنات. وقد أعتمدت السلطنة في تحديث نظامها السياسي والتعليمي على وجه الخصوص على المواطنين العمانيين المتعلمين الذين عادوا إلى بلادهم من المهجر وتولوا المناصب القيادية فيها. وكان فيهم عدد من النساء ممن تلقين تعليماً عالياً في القاهرة وبيروت والكويت والبحرين وزنجبار.

بقيام الدولة الحديثة في السلطنة ظهرت الحاجة لخلق مؤسسة قادرة على التواصل مع النساء في المناطق النائية والأقاليم. لذا أنشئت 25 جمعية نسائية تحت مسمى جمعية المرأة العمانية غطت أغلب أقاليم السلطنة. كان أولها في 23 سبتمبر 1970 في العاصمة مسقط (أشهرت رسمياً عام 1972) وآخرها في ولاية خصب عام 1994 (أشهرت رسمياً عام 1999)(33).

لا تختلف جمعيات المرأة في سلطنة عمان عن مثيلاتها في الإمارات العربية المتحدة حيث تتركز أهدافها وأنشطتها على رعاية المرأة والطفل من خلال الدورات التثقيفية والتعليمية ومحو الأمية وإنشاء رياض الأطفال والتدريب الحرفي والمهني للمرأة. كذلك تركز على ضرورة احترام التقاليد المحلية. من هذا المنطلق لم نجد أي تحرك لهذه الجمعيات للتصدي لممارسة ختان البنات الشائع في السلطنة، ولم يكن للجمعيات أي موقف مطلبي لصالح المرأة. وهي تعمل بتنسيق تام مع مديرية شئون المرأة والطفل في وزارة العمل والشئون الإجتماعية.

الخاتمة:

لا تزال الحركة النسائية في الخليج تعاني من إشكاليات متعددة أهمها: سيطرة السلطات التنفيذية على الجمعيات النسائية، بحيث لا يمكن لهذه الجمعيات القيام بأي تحرك إلا بموافقة الجهات الحكومية المعنية. وفي هذا الإطار تربط المساعدات المالية بمدى العلاقة مع السلطة بحيث نرى الجمعيات التي تقودها شخصيات قريبة من الحكم تتمتع بدعم مالي من الحكومة ومن المؤسسات الخاصة الأخرى في الوقت الذي تعاني جمعيات أخرى من قلة مواردها البشرية.

تتمثل المعضلة الأخرى التي تعاني منها هذه الجمعيات في انحسار العمل التطوعي وشح في موارادها البشرية وضعف إمكانياتها الفنية. مما يؤدي بالتالي لعدم قدرتها على رسم استراتيجيات وبرامج تلائم العصر. كما أن الغالبية العظمى منها لا زالت غير قادرة على الإنفتاح على القاعدة النسائية في القرى والمناطق الأخرى حيث تتركز أنشطتها في العاصمة وتحصر أنشطتها على النخبة المثقفة بما يجعلها جمعيات نخبوية بامتياز. كذلك عجزت غالبية هذه الجمعيات في إجتذاب الشباب لصفوفها. وبالنتيجة فإن القيادات النسائية، كما هي الحال في معظم البلاد العربية، لم تتغير منذ ما يقارب الثلاثين سنة. لذا يخشى من إنقراض هذه الجمعيات إذا استمر الوضع على ما هو عليه حالياً.


الفصل الثاني

هموم المرأة في الأسرة الخليجية

أ. مجد الشرع(*)

ذكرت في مجلة سعودية “تحت العشرين”، وهي موجهة للفتيات الشابات الصغيرات دون سن العشرين، عشرة خطوات أساسية كألف باء السعادة الزوجية لتوجيه المرأة كي تكون “الزوجة الصالحة.. خير متاع الدنيا”، وهي:

1 ـ تعلمي كيف تفرقين بين حالات زوجك النفسية مثل احساسه بالغضب أو التوتر ورغبته في أخذ فترة هدوء بمفرده.

2 ـ تفنني في أن تكوني لبقة.. لديك قدر كبير من الكياسة في الكلام والمعاملة، وكوني متسامحة بقدر يجعل زواجك يفوح بالمودة والرحمة.

3 ـ أوصلي حبل الوفاق بينك وبين أهل زوجك، وقومي بحل أي مشكلة في حينها.. ولهذا تعرفي على طباعهم وتفكيرهم وأخلاقهم.

4 ـ تعلمي التجاوب النفسي والفكري مع زوجك، وإن تطلب منك ذلك الكثير من الجهد وترويض النفس.

5 ـ تعلمي بأسرع ما يمكنك أن تكوني ربة بيت نشيطة ماهرة مبدعة، فهذا البيت أنت “ملكته” وهو نافذة يطل عليك الآخرون من خلالها.

6 ـ تعلمي إدارة وتدبير البيت اقتصادياً.. فذلك مما يسعد زوجك، فكل شيء مهما صغر أمانة بين يديك.

7 ـ تعلمي كيف تتصرفين حينما يمرض زوجك أو ترتفع درجة حرارته أو يصاب بالبرد، ولا بأس من أن تدرسي مبادىء الإسعاف الأولية حتى تتمكني من تحقيق ذلك.

8 ـ دربي نفسك على الإستعداد لاستقبال عدد كبير من الضيوف خاصة تلك الزيارات المفاجئة حتى لا ترتبكي ويصبح الأمر على غير ما يرام.

9 ـ تعلمي فن الأمومة ورعاية الطفل حتى لا يكون الأمر شاقاً عليك عندما ترزقين بطفلك الأول.

10 ـ حافظي على صورتك الحلوة التي تعلق بها زوجك حين تزوجك، فالحقيقة أن الرجل يتعلق بالصورة ويتزوجها وعندما يتغير الأمر وإنه يبدأ في المقارنة التي قد تسبب له خيبة الأمل بما ينعكس سلباً على سعادتك الزوجية.. فلا تهملي أبداً السمات النسوية المطلوب توافرها، احرصي ما أمكن على إبراز محاسنك لزوجك، فحسن التبعل يعدل الجهاد(1).

خطوات جميلة تتمنى تحقيقها أية زوجة عاقلة، وحبذا لو انتظر الأهل بناتهن ليتجاوزن سن الطفولة ويُصبحن واعيات قبل تزويجهن لكي يتمكنّ من تطبيق الإملاءات التي يرددونها في أذن كل فتاة منذ الصغر لتكون زوجاً يُسكَن إليها. وما أزال أذكر الوصايا العشر التي كتبها لي والدي عندما زوجني وكانت قد أوصتها إعرابية، إمامة بنت الحارث، لابنتها ليلة زفافها وهي:

الأولى والثانية، فاصحبيه بالقناعة، وعاشريه بحسن السمع والطاعة.

الثالثة والرابعة، فالتفقد لموضع عينيه وأنفه، فلا تقع عينيه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا طيب ريح.

الخامسة والسادسة، فالتفقد لوقت طعامه ومنامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.

السابعة والثامنة، فالاحتراس بماله، والادعاء على حشمه وعياله، فملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير.

التاسعة والعاشرة، فلا تعصين له أمراً، ولا تفشين له سراً، وإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مغتماً والكآبة بين يديه إذا كان فرحاً، وإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد الناس إعظاماً، يكن لك أشدهم إكراماً، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك فيما أحببت وكرهت والله يخير لك.

وللمفارقة، فقد تابعت أكثر من مائة مجلة خليجية، ومن المغرب العربي ومشرقه، ولم أجد قائمة واحدة تتضمن وصايا عشرة للرجل، ولا عشرون، بل فقط واحدة وهي: “تزوج، فالزواج نصف الدين”. تساءلت: لماذا تكثر التوجيهات للمرأة دوماً، تعلمي، وتفنني، وتدربي، وحاولي، وحافظي، واحفظي، وكأنها هي المعنية فقط بدوام السعادة واستقرار الزواج، وتقع على كاهلها مسؤولية إسعاد الرجل والعناية به! فهل هو تابع لها؟ أم طفل تلزمه استمرارية الحضانة؟ وكيف تهابه وتخاف منه في الوقت ذاته؟

أما السؤال الأهم فهو، هل ساعدت تلك الوصايا المكثفة على مرّ الزمن لطرف واحد لإسعاد المرأة؟ وهل خففت من معاناتها؟ أم أن الطرف الثاني معنّي أيضاً ومقصر وينقصه الكثير من الوصايا.

السيدة أم عبد الله من رأس الخيمة، أرملة تجاوزت الخامسة والستون من عمرها وأجرت عملية لاستبدال ركبتيها، وهي تتردد الآن إلى المشفى لإجراء العلاج الطبيعي والتدرب على المشي. وحالما ترى طبيبا “رجلاً” يمر ناحيتها تسرع لإسدال الشيلة على وجهها من فوق برقعها وتخفض رأسها للأرض خشيةً ووجلاً. وحينما سألتها طبيبتها عن سبب هذا التشدد لإخفاء وجهها قالت: “أخاف أن يراني ويخطبني!” فقد ترسخ في عقلها أن رؤية أي رجل لوجهها سيدعوه ليطلب ودها ويتمناها، وأن إخفاء الوجه هو الوسيلة الآمنة لتحفظ نفسها من شغف الرجال ورغباتهم. كما يتبين أيضاً من تفكيرها بأن رغبة الرجل يجب اتقاءها وإلا لا مرد لها، أي أنها لا تمتلك نفسها كي تثنيه فيما لو بادرها لأنها مجرد امرأة لا حول ولا قوة لها أمامه.

حالة ثانية لسيدة من إمارة الشارقة في الثلاثينيات من عمرها ومتزوجة منذ عشرة أعوام. لديها أربعة أطفال وعلى وشك الولادة بالخامس. قالت أن زوجها هو قريب لها كان يدرس في الخارج، ولم تكن تعرفه عندما تقدم لخطبتها. سألناها: “وهل تفاهمت معه خلال فترة الخطبة؟” قالت: “لا، لم أره أبداً لحين الزواج، والدي وأخي تعرفا به، ولماذا أتعرف به قبلاً فهذا لن يغير شيئاً في العلاقة إلا للأذى ربما، لأن الشاب الذي يخطب فتاة ولا يتمم زواجه منها سيفضح شرفها وسمعتها، لذلك فالأفضل هو التعرف بالزوج بعد الزواج!”. وهذه السيدة تعتقد تماماً بأن خطبة الرجل لها من ذويها وموافقتهم عليه دون تعرفها به هو أمر مفروغ منه وما عليها إلا تنفيذه. وأيضاً فقد ترسخت لديها فكرة التخوف من العلاقة مع الرجل الذي غالباً ما ينوي الإساءة للمرأة.

حالة ثالثة، وهي شابة من إمارة دبي في أوائل العشرينيات من عمرها ومتزوجة حديثاً. بدت بكامل بهجتها وزينتها من الماس وغالي الثياب. وحينما سألناها عن سعادتها بالزواج، قالت: “في البداية كنت سعيدة جداً.. لكنني الآن تعبة ومنهكة، لأنه يبغيني كل يوم وأحياناً عدة مرات في اليوم، وهذا ما يرهقني جداً!”. وببساطة فإنها لم تكن تملك أن تقول له “لا”، لأنها لو ردتّه فسيخرج ويصاحب خارج البيت، فهو في النهاية رجل ولا يجوز ردّ رغباته، وعليها الامتثال لإرادته مهما كان بغض النظر بتاتاً عن مشاعرها.

سردتُ الحالات الثلاث لأُبيّن أنه حتى في حال اختلاف الفئة العمرية، أي بين سن الشابات الحديثات والوسط والأخريات المتقدمات في السن، هنالك منظومات تحكم آرائهن وشخصياتهن وسلوكهن وما تزال تعتبر من المسلَمات المفروضة عليهن كنساء. فالمرأة لا تناقش حقها وإنسانة تملك رغبات خاصة بها وربما تتناقض مع رغبات الرجل. ولا يجوز لها التأفف أو التعبير عنها لأنها بذلك تتخطى العادات المتعارف عليها، والحياء الأنثوي الذي كثيراً ما يتجلى بالاستسلام لطلبات الرجل. وكل ما تملكه هو أن تحفظ واجباتها جيداً تجاهه حسب مفاهيم ورغبة المجتمع الذي شبت فيه.

يبدو أن الرجال كما النساء اختلطت لديهم صورة المرأة “الجارية” بالمرأة الشريكة. وكما تتالت الموروثات والأدبيات التي تبجل دور المرأة النموذجية التي من سماتها الأساسية الطاعة والخضوع، تسهم التربية الدينية المتشددة في تشجيع النساء على تقمص هذا الدور عبر مسايرة الرجل وتقييمه وتسييده عليهنّ، ولا ترحم من تشذ عن القاعدة..

منذ ولادة الطفلة الأنثى يتم التركيز على مؤهلاتها الجمالية وتنمية إهتماماتها بشكلها وغنجها لاجتذاب الرجل وتأهيلها لكي تكون مرغوبة من الزوج. وانطلاقاً من هذه التربية التقليدية للفتاة، وإنها تحيا وتشب وتجهد لتنمية مواهبها تجاه تلبية رغبات الرجل وتتجاهل حقوقها. من هنا تبدأ وتتركز همومها بالذات، لذلك فإن أكثر ما يقلق ويشغل بال المرأة يتمحور أساساً حول الإرتباط بالرجل، أي الزواج وهاجس الطلاق والعنوسة.

سأستعرض في هذا البحث مشاكل المرأة الخليجية ضمن المحاور المذكورة:

أولاً ـ الزواج:

تبدأ الفتيات منذ سن مبكرة في تقمص شخصية النساء وتتدربن على تكوين شخصية امرأة جذابة ومرغوبة تحمل الصفات الأنثوية التقليدية حسب العرف والتقليد المتوارث في مجتمعها لكي يقبل بها العريس. فهي تتجمل وتبذل ما في وسعها لتبدو بأحلى وأكمل مظهر يبغيه. وبعد الزواج، وكلما نضجت في السن تكتشف رغباتها الدفينة التي تتناقض مع الاتجاه الذي تسير به، سواء صدمت أحلامها بالرجل الذي اقترنت به، أو لم يتقدم أحد للزواج منها. وعندما تعي أن لها حقوقاً مهضومة تدخل في صراع بين الاستسلام، تجنبا لفكرة “العيب” و”كلام الناس” و”العادات”، وبين الثورة على وضعها. في المجتمعات الخليجية، غالباً ما يحظر على الفتاة أن تبوح برغباتها الخاصة والمختلفة عن رغبات الرجل ، فهو “الريال” والسيد، ذو الحق فقط. أما التفاهم الزوجي فيأتي صدفة لأن التعارف والخطبة هي شرعاً نظرياً وليس للتطبيق في المجتمع الخليجي. تقول أصيلة بنت جمعة المغيري، مديرة دائرة الارشاد والاستشارات الأسرية في المديرية العامة لشؤون المرأة في سلطنة عمان، عن أسلوب الزواج ومشاكله: “أثبتت الدراسات والإحصاءات التي أجريت مؤخراً عن كيفية اختيار الشريك أن 7% فقط من حالات الزواج في مجتمعات الخليج يختار فيها الشريك شريكه، بينما 93% من الزيجات تتم باختيار الأهل بسبب التقاليد وتأثير القبيلة والأسرة”(2).

1 ـ غياب الزوج:

بداية، تعاني معظم الزوجات في الخليج من انشغال الزوج وابتعاده عن زوجته وتركها فترات طويلة تمتد أياماً وشهوراً. وهي عادة رجالية خليجية على المرأة التسليم بها حسب العرف. لقد اعتادت المرأة الخليجية في العهود القديمة، قبل ثورة النفط، على غياب الزوج، وذلك بسبب ذهابه للبحث عن رزق العائلة. حيث كان يشتغل معظم الرجال في الصيد البحري أو التجارة، وكان ذلك يحتم عليهم الابتعاد عن منزل الأسرة لفترات طويلة بطبيعة الحال. لكن هذه العادة استمرت حتى يومنا هذا رغم زوال السبب “كسب الرزق”. فما يزال الرجال يسهرون في المجالس أو الفنادق ويسافرون للسياحة ويقضون جلّ أوقاتهم مع أصدقائهم الرجال أو عشيقاتهم. وتبقى الزوجة أياماً تنتظر بخيبة أمل رؤية زوجها، مما يؤدي بها في النهاية إلى فتور تجاهه أو طلب الطلاق.

تبدي السيدة أم روحية فرحتها بمهرجان دبي السنوي للتسوق وفعالياته حيث يتاح للزوجة والأطفال الخروج برفقة الأب. وهذه من الحالات النادرة في الحياة العادية... تقول: “إن أجمل ما في المهرجان إعادة الحياة إلى العلاقات الإنسانية والاجتماعية. فحالياً، الزوج يخرج مع زوجته وأسرته بينما سابقاً، كانت العلاقات تعاني من الفتور ويعتريها الجفاف”(3). بيّن الملتقى الأسري الثاني، الذي نظمه المجلس الأعلى للأسرة في الشارقة في بداية آذار لعام 2002، أن 87 % من أبناء المواطنين لا يرون آباءهم في المنزل و7 % لا يكلمونهم و3 % لا يبالون بهم(4).

تقول أستاذة علم النفس في جامعة قطر، جهينة سلطان العيسى، أن دراسة عشوائية تمت حول العلاقات الأسرية لطالبات المدرسة بيّنت أن: “55% من الطالبات يعانين من علاقات عادية أو بالأحرى غير طيبة بأولياء أمورهن”. وتتابع إن: “تماسك أو تفكك العلاقات الأسرية هما الداء أو الدواء في الرصيد الاجتماعي والسلوكي.. حيث تشكل العلاقات الحميمة والواعية بين الطالبة ووالديها خط دفاع وجهاز مناعة ضد تيارات وقيم تحاول سلخها من سياقها التقليدي”(5).

يوضح مشعل الشمري، موظف في وزارة التربية بالكويت، أنه بينما يغار الأزواج على زوجاتهم، خصوصاً إذا كنّ جميلات، فيمنعوهن من الخروج وقت يشاؤون، “يفضل الزوج الحرية الزائدة، والسفر، من منطلق أنه هو الرجل. ومن ثم يهمل زوجته ويلقي عليها العبء كله.. من توصيل الأولاد إلى المدارس وتربيتهم وتوفير طلبات المنزل وغيرها، وبالتالي يقصر في تحمل المسؤولية، ويقضي معظم وقته في الديوانيات والسهر خارج البيت وينسى أن هناك زوجة وأولاداً والتزاماً أسرياً”(6).

يشكل غياب الزوج أحد الأسباب الأساسية لمعاناة المرأة في الأسرة الخليجية مما يؤدي إلى ظاهرة “هجر الفراش”. تسرد فاطمة ج ـ سيدة إماراتية في نهاية العقد الثاني، وهي عروس لمدة سنتان وتقوم بإجراءات الطلاق حالياً ـ سبب مشكلة “هجر الفراش” التي عرفتها من خلال تجربتها وتجربة أخريات، فتقول: “هذا كله بسبب الرجل وسهولة توفر البدائل وضعف الإيمان وعدم القدرة على ضبط النفس. أنا أعتبر أن الفنادق وانعدام الرقابة سبب مشكلتي، اذ يجب منع إدخال أي رجل وامرأة إلى فندق، دون رؤية عقد الزواج أو أية أوراق ثبوتية، وعدم اللجوء إلى إثباتات وتواقيع تضيّع حقوق المرأة. فما الذي يؤكد لها أن الزوج لم يكن مع غيرها؟”.. وتتساءل فاطمة عن سبب تردد زوجها الدائم على الملاهي الليلية، علماً أنها حاولت توفير ما يمكنها من المغريات لأجله واقتناء أغلى ماركات الثياب الداخلية للمحافظة عليه، ولم تفلح جهودها، وهي تتساءل: “شو الفرق بين الخارج والداخل...؟”(7).

يعتقد إبراهيم التميمي، محامٍ متخصص في قضايا الأحوال الشخصية بأبو ظبي، أن السبب في الهجر يعود للزوجة التي تكون صغيرة في السن وتنفر من زوجها بعد أن تنجب، مع أنه يعترف بأن الأزواج الشبان “يعودون إلى بيوتهم عند الثالثة فجراً، بعد سهر في الفنادق. ولو عددنا الأيام، عرفنا أنهم هجروا نسائهم”. ويضيف: “لكن علينا إلقاء اللوم على الإنسان نفسه، فثمة من لا يعرف الشريعة ولا يتدرج في تأديب الزوجة، فيهجر بسبب زواج ثان، أو لأنه صاحب عربدة”(8). ودليل على أن الإسلام لا يقبل بهجر الزوج لزوجته إلا لأسباب تأديبية، فقد كان الخليفة عمر بن الخطاب لا يترك الجيش بعيداً لأكثر من أربعة أشهر، كما أشارت عليه إبنته حفصة، فهذه مدة كافية لاحتمال غياب الزوج.

أصدر سمو الشيخ زايد بن سلطان آل النهيان، رئيس دولة الإمارات، في شهر نيسان عام 1999 قراراً مفاده: و”يتعين القضاء بتمكين الزوجة من الحصول على الطلاق من زوجها، إذا ثبت أنه هجرها عمداً، لأكثر من ثلاثة أشهر، ولم يتكفل بالنفقة عليها وعلى أولادها”. وذلك للحد من ظاهرة الهجر وتفادي استهتار الأزواج بنسائهم.

2 ـ الخيانة الزوجية:

إذا كان هجر الفراش مشكلة، فأحد أسبابه هو الخيانة الزوجية المتفشية التي تشكل هاجساً صعباً ترزخ المرأة تحت نيره وتعاني خلاله من الغيرة المحرقة. وقد تفكر بالانتقام لنفسها وتمارس ما يشفي غليلها سراً، سواء عبر خدم المنزل أو علاقات أخرى خارجية. هذا الموضوع يبقى محاطاً بالسرية التامة ويصعب أن تبوح المرأة به. على عكس الرجل الذي يتباهى بإنجازاته ومغامراته مع النساء، وكثيراً ما يعترف بها أو تكتشف بسهولة. يقول خليفة المحرزي، موجه العلاقات الأسرية في قسم التوجيه والاصلاح الأسري في محاكم دبي ورئيس مركز الترابط الاجتماعي في عجمان، عن الخيانات الزوجية: “هذه قضية خطيرة موجودة في المجتمع، وإن كان لم يجر الإفصاح عنها، لأنها تمس الجانب الأمني للمجتمع وتؤدي إلى الكثير من المشكلات. الخيانة الزوجية التي يفهمها الآخرون بأنها خيانة جسد، أصبحت تتخذ عدة أنواع، لعل أكثرها انتشاراً، وتؤكدها الأرقام وعدد الحالات المسجلة في المحكمة، هي الخيانات العاطفية واللفظية عن طريق الهاتف. وقد ابتليت بها زوجات كثيرات، فالرجل ينقل العواطف الموجودة لديه إلى الطرف الآخر خارج البيت. وقد تكون الخيانة مادية، إذ يخصص جزءاً من المال الإنفاق على نساء أخريات غير زوجته وأسرته. أو عن طريق السهر أمام الكومبيوتر ليشبع رغباته، ويكوّن صداقات مع بعض النساء من خلال جلسات الدردشة الكومبيوترية (التشات). وهناك الخيانة الجسدية وهي الأكثر انتشاراً، حيث يبدأ الزوج (فرش) كل عواطفه خارج المنزل ويوزعها على الفتيات والساقطات. ويأتي إلى البيت ليبث مشكلاته وهمومه، ويفتعل المواجهات مع زوجته. هذه المسألة بدأت تنخر في عظام المجتمع، وبخاصة بين فئة الشباب”(9).

تشرح السيدة ف. ش، كيف استنجدت بها خادمتها الأندونيسية في أحد الأيام، وطلبت منها حمايتها من زوجها الذي يحاول الاعتداء عليها خلال غيابها في العمل. قالت: “لم أصدق أن زوجي يفعل ذلك، فجعلتُ الخادمة تسافر وتعود إلى بلدها، وانتقلتُ لمنزل أهلي مع أطفالي، وطلبتُ الطلاق”. وحكاية اهتمام الأزواج بالشغالات طويلة وتحتاج لإفراد بحث خاص بها. يكفي أن نعرف أن هنالك حوالي ربع مليون خادمة منزل في دولة الإمارات، عدا عن المستخدمين الآخرين لمجتمع مواطنين يبلغ عدده بحدود المليون فقط.

تقول الزوجة الشابة عصمت الحمد: “يمكن تجاوز كل الخلافات إلا الخيانة الزوجية، كل شيء يمكن أن ينسى، وقد تحتمل الزوجة أية مشكلة وتتجاوزها من أجل استمرار حياتها الزوجية ماعدا الخيانة”(10). ويشير الدكتور فيصل الزراد إلى أن خيانة الزوجة غالباً ما تأتي كرد فعل إنتقامي إزاء الزوج الخائن، وإحساسها بالإحباط والقهر. وتعترف أ. س بخيانتها بخجل، لكنها ترى أنها تملك العذر في ذلك، “فحياتها الصعبة مع زوج مستبد متسلط أوصلتها إلى يوم طفح فيه الكيل، فلم تجد بداً من إسقاط كل الاعتبارات الأخلاقية لكونها زوجةً وأماً، ونبشت الماضي واتصلت بشاب كانت تربطها به علاقة حب فيما مضى”(11).

يروي خليفة المحرزي، الحادثة الحقيقية التالية كمثال على نماذج الخيانات الزوجية: “جاءني زوج يريد أن يطلق زوجته، وقال أنه يعمل في شركة لصاحبها علاقات نسائية كثيرة، وتعرف صاحب الشركة يوماً إلى امرأة أخذها إلى منزله لممارسة الرذيلة، وكانت زوجته في ذلك الوقت قد ذهبت إلى بيت أهلها. وبعد فترة من وصوله إلى المنزل عادت زوجته وشعر بوجودها، فأدخل المرأة التي رافقته في صندوق لألعاب الأطفال، وأغلقه بالمفتاح”. وسأل زوجته: “لماذا حضرت؟” فأجابت أنها تريد أن تبدل ثيابها من أجل حضور حفل عند أحد الأقرباء. وأخذ زوجته ليوصلها إلى ذلك البيت وعند عودته مسرعاً للقاء المرأة التي تركها محشورة في الصندوق، تعرض لحادث مرور ونقل إلى المستشفى، فاتصل بصديقه يطلب منه مساعدته في الخروج من ذلك المأزق، وأعطاه المفتاح وطلب منه الذهاب إلى البيت لإخراج المرأة من الصندوق المغلق، وإيصالها إلى منزلها، وقال الرجل: “فوجئت أن المرأة، التي في الصندوق، هي زوجتي.!!”(12).

أما رأي الشيخ أحمد الموسى، الواعظ الأول في وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف في أبو ظبي، حول موضوع الخيانة فهو كالتالي: “تقع الخيانة الزوجية أحياناً بسبب عجز الزوج عن إشباع الغريزة لدى امرأته، مع إن الحل الإسلامي سهل جداً، وإذا خافت الزوجة على نفسها من الفتنة ولم تحصل من زوجها على إحصانها، فلها الحق في أن تطلب من القاضي الطلاق”(13).

إن القوانين التي تحكم فعل الزنى في معظم الدول العربية والإسلامية مستمدة من الشرع الإسلامي. وكما يؤكد الدكتور الشيخ حسن محمد المرزوقي، مساعد عميد كلية الشريعة والقانون في جامعة الإمارات، وإن الأصل في أحكام الشريعة الإسلامية هو المساواة بين الرجل والمرأة. “فالإسلام لم يفرق في عقوبة الزنى بين الرجل والمرأة، حيث أن حد الزاني البكر، رجلاً كان أم امرأة، هو مئة جلدة، وتغريب عام، عند جمهور الفقهاء. وحد الزاني المحصن، الرجم بالحجارة حتى الموت”. ويضيف أن هنالك بعض الإستثناءات مثل ما يتعلق بإطلاق تهمة الزنى، وهو (القذف) فقد جعل الإسلام للزوج مخرجاً من حد القذف، إذا اتهم زوجته بالزنى، وعجز عن الاتيان بأربعة شهود “وهو عاجز لا محالة، وذلك بإجراء اللعان، ومن ثم التفريق بينهما، ولا يقام عليه حد القذف، بينما إذا اتهمت المرأة زوجها بالزنى ولم تأتِ بأربعة شهداء، أقيم عليها حد القذف، وهو ثمانون جلدة، إذا طالب الزوج بذلك”(14).

وهكذا فإن التطبيق العملي أوجد تمييزاً بين الرجل والمرأة. فحسب قانون العقوبات الاتحادي الخاص بدولة الإمارات، تنص المادة 334 على أن: “قتل الزوج زوجته وشريكها في الجريمة (جنحة) بينما تعتبر فعلاً مماثلاً من جانب الزوجة (جناية)، يمكن أن تؤدي بها إلى الموت، الإعدام”(15). وفي الوقت الذي تؤكد مريم راشد، ضرورة تعديل القانون، بحيث يتساوى فيه، كل من المرأة والرجل كمبدأ قانوني، يرى زوجها محمد المزروعي، أنه من الطبيعي أن يكون الرجل في المجتمع، في المرتبة الأولى، في حين تأتي المرأة في المرتبة الثانية، وهو يرى أن أي امرأة تقتل زوجها لأي سبب، وإن كان الخيانة الزوجية تستحق الاعدام(16).

في المحاولات المستديمة للمرأة للإحتفاظ بالرجل وضمان استقرار حياتها، تجرب جميع الوسائل الممكنة حسب وعيها ودرجة ثقافتها لدوام سيرورة الزواج. وليس من المستغرب أن تلجأ للسحرة والمشعوذين، وتغرق في إيحاءات الجن لحل مشاكلها. وقد تنفق الكثير من الجهد والمال بدون نتيجة، بل ويزداد وضعها سوءاً. كما حصل مع ناديا، في الإمارات، التي أغواها وسحرها الجني، وصارت تشعر بحركة دائمة في جسدها، والجان يمارس معها باستمرار “علاقة آثمة”، لم تستطع الاعتراف بها لزوجها، فأخفت سرها، ونحل جسدها، ونفرت من زوجها نهائياً. وهذه المريضة، يقول عن حالتها الدكتور عامر سعد الدين، اختصاصي الطب النفسي في دبي: “بأنه نوع من الاكتئاب، ولا علاقة له بالجن”(17).

كثرة التردد على المشعوذين والإعتقاد بصحة السحر تجعل الكثيرات من النساء تهلوسن بقصص الجان وتتخيلنهم واقعاً حقيقياً. بل وقد تستخدمنهم أحياناً مبرراً ومخرجاً لمأزق وقعن به. وفي السعودية، انتشرت قصة الجن المقيم داخل معهد التربية الفكرية للبنات بجدة، وصارت البنات ومعلماتهن يسمعن أصواتاً غريبةً تصدر من مكان غير معروف. وأجهضت بعض العاملات بسبب الرعب من مس الأشباح! وتفجر الوضع بعد أن ادعت بعض العاملات أن الجن يتمثلون على هيئة المدرسات. فلم تعد تدري كل منهن هل هي أمام زميلتها الحقيقية أم أنه جني متمثل بهيئتها. وأخيراً تم استدعاء الشيخ عبد العزيز الحمدان، رئيس دار الرقية الشرعية بجدة، وقرأ آيات قرآنية لطرد الجان، ورأى أن المكان لا يصلح للعيش فيه وتم نقل البنات منه. وقد أقر الشيخ عبد العزيز بوجود الجان واستشهد بالآية الكريمة: وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون². وتروي والدة إحدى الطالبات وضع إبنتها المحزن، فتقول: “بالإضافة إلى إصابتها بتخلف عقلي تلبسها الجن، وأصيبت بنوبات صرع لم نألفها منها وأصبحت تصدر أصواتاً غريبة ومرعبة، مما أخاف أخوتها وجعلني أنتقل بها من شيخ إلى آخر لعلاجها”(18).

من المعروف أن النساء هن أكثر عرضة لتلبس الجن من الرجال، وحسب ما ذكر في مجلة فواصل السعودية: “تعود بعض هذه الأسباب لتبرج المرأة وهي في أكمل زينتها ومفتخرة بجمالها بدون ذكر الله، والتخلي عن قراءة القرآن، وكشف العورة في البيت بدون ذكر إسم الله”. أما عن المعاشرة الجنسية بين الأنس والجان، فحسب رأي الإمام مالك: “لو أجزنا ذلك لادعت كل فاجرة حملت أن ذلك من زوجها الجني”، وهناك رأي آخر يرى أن حدوث ذلك ممكن(19).

بسبب انتشار السحر، تحرص النساء على تبخير ثيابهن وأولادهن وأزواجهن لطرد الشرور. لهذا، يندر أن تدخل بيتاً خليجياً إلا وتنتشر روائح البخور في أرجائه. فبالإضافة لعبقه الجذاب يحمي البخور الناس من أفعال السحر الأسود كما يعتقد الكثيرون. ومن الملاحظ في معارض الكتب المحلية اهتمام المواطنين والمواطنات بالبحث عن كتب تفسير الأحلام والأبراج والسحر ومختلف الغيبيات.

3 ـ العنف الأسري:

يشكل العنف الزوجي ظاهرة منتشرة تشكو منها المرأة الخليجية دوماً. يقول عبد السلام درويش، رئيس قسم التوجيه الأسري في محاكم دبي: “أن كثيراً من الأزواج يُقبلون على تصرفات خاطئة مثل الضرب، وتصل نسبة هؤلاء إلى 80%”(20). ويرى أيضاً أن أسباب وصول المرأة للمحاكم لطلب الطلاق كثيرة ومتنوعة، أهمها: “الاستخدام الخاطئ الإنترنيت، والرسائل التي يتبادلها الزوج مع امرأة أخرى على الموبايل، الأمر الذي يؤدي إلى الطلاق أحياناً. وهذا ما أسميه (طلاق المَسّجِات) وكذلك الانحراف الخلقي، وضرب الأزواج الزوجات”(21). لكن، يقول المحامي إبراهيم التميمي: “عندما تتعرض الزوجة للعنف من قبل الزوج وتلجأ إلى الشرطة، يتم إقناعها بالتنازل بعد أخذ تعهد على الزوج بعدم استخدام العنف معها مرة أخرى. والحقيقة أن إيجابيات هذه الحالة تتمثل في أن الزوجة بعملية التنازل هذه قد تردع الزوج وتجعله يفكر كثيراً قبل اللجوء إلى العنف ثانية. بينما تكمن سلبيات هذا التنازل في استمرارية اعتداء الزوج عليها ولكن دون إحداث آثار ظاهرة حتى لا تكون دليلاً أمام الشرطة، وهنا تضيع حقوق الزوجة في الحصول على الطلاق للضرر، لأنه لا بيّنة لديها. حيث تعد البيّنة القديمة منتهية بتنازلها السابق”، ويوضح أن غالبية الزوجات يطلبن التفريق “لضرر فاحش يتعرضن له كسوء خلق الزوج، العنف والضرب، الهجر وتناول الكحول والمخدرات”(22).

من أجل تحاشي العنف والتأكيد على حسن العشرة الزوجية، أدخلت محاكم دبي أسلوباً جديداً لمعالجة الخلافات الزوجية، والتخفيف من حالات الطلاق، ووضعت “اتفاقية حسن العشرة”، يتم تطبيقها في حالات تفاقم المشكلات المؤدية إلى الطلاق. يقوم مكتب الإصلاح الأسري في محاكم دبي بتوضيح بنود الإتفاقية، أمام الزوجين، ويتم التوقيع عليها بحضور الشهود وتوقيع المصلح الأسري. حيث يلتزم الزوج باحترام زوجته، وعدم التلفظ بألفاظ نابية، وعدم التعرض للطرف الآخر بالضرب، وعدم التقصير في النفقة، وعدم المنع من زيارة الوالدين، وعدم التعرض لمال الطرف الآخر إلا برضاه، والعدل بين الزوجات في النفقة والمبيت، والإستئذان في حال الخروج من المنزل(23).

4 ـ تعدد الزوجات:

وإذا كانت الخيانة هاجس تعاني منه المرأة في الخليج، فالهاجس الأكبر هو الخوف من أن يتزوج زوجها بغيرها. والتعدد في الزيجات شيء مشروع اجتماعياً ودينياً، ولا يحق للمرأة الوقوف ضده. التيارات الجديدة في الخليج تستنهض الدعاة لإقناع النساء بالسنة النبوية التي تبيح تعدد الزوجات للرجل وتحذيرهن من خطر الكفر بشرع الله. قال الله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع. وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ، ذلك أدنى ألا تعولوا²، الآية الثالثة، سورة النساء.

خلال شهر رمضان عام 2001، تكرر بث مسلسل تلفزيوني من إخراج مصري على معظم شاشات القنوات الفضائية العربية وعنوانه “الحاج متولي”. وباختصار، يدور المسلسل حول شخصية متولي الفقير الذي كان يعمل في محل لتجارة القماش. وبعد وفاة صاحب المحل تزوج من أرملته التي توفيت حال إنجاب الطفل الأول فورث متولي منها كل شيء. وقرر بعدها الزواج من أخرى لتعنى به وبابنه، لكنها لم تنجب. لذا وافقت زوجته الثانية على أن يقترن بأخرى غيرها. وبعد زواجه من الزوجة الثالثة والإنجاب منها، فتحت شهيته للزواج بزوجة رابعة، ولم تتوقف شهيته حتى بعد بلوغه عقد الخمسينيات. فعاد ليحلم بالإقتران بزميلة إبنه في الجامعة، وقد طعنه رفضها للزواج منه فاقترن بصديقتها التي تجايلها في السن لرد الاعتبار لكبريائه. واكتشف متولي فيما بعد أن الزوجة الأخيرة الشابة لم تقبل به إلا طمعاً بماله، إضافةً إلى أنها لم ترضخ لأوامره وتصبح نسخة تتآلف مع بقية زوجاته فطلقها. وفي الحلقة الأخيرة من المسلسل نصح متولي إبنه بألا يحذو حذوه، لأن العدل بين النساء صعب، وقلائل هم المقتدرون والقادرون على إحتواء عدد من الزوجات والأبناء.

أَثار هذا المسلسل جدلاً كبيراً بين الأوساط المجتمعية في جميع الدول العربية من المحيط إلى الخليج. وبينما كانت الكثيرات من النساء تدعين على الحاج متولي أن يصاب بكافة العاهات ويموت، تابع الرجال بانبهار، على مدى الثلاثين حلقة قبل الأخيرة، المتعة الهارونية التي تنعم بها الحاج متولي بين أربعة نساء يتبارين للفوز برضاه. وكان هذا المسلسل بمثابة توجيه إعلامي مقصود من قبل هيئات رسمية. فقد برر حق التعددية في الزواج طالما أن الرجل يملك المال، ويستطيع إيفاء طلبات كل زوجة، وكأن العدل المطلوب هو العدل المادي فقط...!

من الواضح أنه مهما تم تدجين المرأة لتتقبل فكرة تعدد الزوجات فهي لا تهضم إقتران زوجها بغيرها، وتبقى “الضرة مرة”. وقد تحدثت الحاجة ق، في عقدها السابع، عن تجربتها مع الضرة فقالت: “أنا مؤمنة بالله ورسوله وأقرأ القرآن، لكن والله لو كنت أحيا في أيام الرسول لناقشته بهذا الشرع الذي أجحف بحق المرأة وجرحها في الصميم”. وتؤكد السيدة نوف، من جدة، أن حياتها تحولت إلى جحيم بعد أن اقترن زوجها بفتاة في عمر بناته...! وكان السبب في ذلك هو صديقه بعد أن تراكمت عليه الديون، تقول: “أقنعه بعقد قرانه على إبنته التي تصغر زوجي بخمسة وعشرين عاماً مقابل الدين الذي لم يستطع سداده”، وتستطرد: “وبالفعل تم الزواج، وكانت الزوجة الثانية التي بهرته بعمرها الصغير وشبابها الذي أعاده كما يقول وكأنه إبن العشرين، حتى استطاعت أن تسلبني إياه، وتخرجه من بيته، وتبني جداراً بينه وبين الأولاد الذين لم يعد يجتمع معهم أكثر من مرة في كل أسبوع. والمصيبة أنه لم يفق من غفوته حتى الآن، ويكتب لها الكثير من الأملاك، ويسجل لها رصيداً في البنك باسمها، ولم يكفها ويكف والدها الدين الذي تنازل عنه زوجي مقابل هذا الزواج”(24).

أما المرأة التي تربطها علاقة حب قوية بزوجها فقد يكون رد فعلها على زواجه بأخرى صاعق وعنيف. سميرة أحمد من الكويت سردت قصتها الواقعية مع زوجها الذي اقترنت به بعد حب عاصف، حينما قرر زوجها الزواج بأخرى، قالت: “حين علمت بذلك جن جنوني، وبدأت أنتظر ليلة زفافهما بفارغ الصبر، وتهيأت لتلك الليلة وكأنني العروس، وحين بدأت مراسم الزفاف وأخذ الفنانون أماكنهم توسطت الحلبة ومضيت في رقص جنوني أذهل كل الموجودين الذين اتهموني بالجنون، غير أنني وما أن ظهرت العروس بفستان زفافها تقدمت نحوها كمن يبارك لها ويهنئها ودونما شعور مني بدأت في تمزيق ملابسها وأصرخ في وجهها بصورة هستيرية، لينقلب الفرح إلى كابوس عليها وعلى زوجي الذي لم يتمالك نفسه وأسـرع بمغادرة المكان تاركاً عروسه...”(25).

في كثير من الأحيان، تؤدي مناهضة تعدد الزيجات إلى الزواج السري، ويكون وقعه أصعب على المرأة عند إكتشافه. السيدة ف. ش من قطر تقول بحرقة أنها تزوجت بطريقة تقليدية من رجل “كان خلالها مثال الزوج الحنون المخلص المرتبط ببيته وأسرته ارتباطاً كلياً، حتى أنه طلق حياة العزوبية، فاستغنى عن سهرات “الربع” وقلل إلى حد كبير مشاوير الصيد ليتفرغ لي ولأسرته الصغيرة، وكان يقول لي أنه مناوب ليلاً ويعطيني رقم هاتفه الخاص لأتصل به”، ثم تضيف: “وكثيراً ماكنت أتصل به في الليل فيحدثني بهدوء وحنان. ماكان يمكن أن أشك به، إلى أن جائتني إحدى صديقاتي المدرسات لتبلغني الخبر الذي وقع عليّ وقوع الصاعقة. قالت أنها لفت انتباهها اسم تلميذة في مدرستها، إذ كان اسم الأب والعائلة ينطبق على اسم زوجي...!” ولم تصدق السيدة م. ش إلى أن تأكدت من الملف الشخصي للتلميذة وأسمها الثلاثي، وعندها تقول: “وكدت أفقد عقلي. له طفلة دخلت المدرسة! كيف..؟ وعندما جاء إلى البيت لم أمهله دقيقة واحدة، وواجهته بالأمر، لم ينكر، وإنما اعترف بكل هدوء بأنه متزوج منذ سبع سنين، وأن له منها طفلاً آخر، وعلمت عندها سر مناوباته الليلية...” وتتابع: “وقعتُ في حيرة، لا أستطيع إجباره على طلاقها، وإذا فعل فما ذنب الطفلين اللذين أنجبتهما؟ أنا أيضاً أحبه رغم الخديعة والجرح الكبير، لا أستطيع طلب الطلاق، إذ ما ذنب أطفالي؟ هل أحرمهم دفء الأسرة ووجود الأب أو الأم؟ سلمت بالأمر الواقع لكن الجرح لم ولن يندمل”(26).

أما السيدة فاطمة من جدة، فتقول: “أفضل ألف مرة أن أكون على علم بما يجري وبأن زوجي مقبل على زواج آخر، وأن أساهم في اختيارها وأرضى بواقع لا أجرؤ على رفضه على أن أكون زوجة مخدوعة. وما حصل أن زوجي اعترف لي أنه معجب بفتاة وهي شقيقة صديقه، وأنه رآها أكثر من مرة، وهي على خلق ودين، ومالَ إليها ويرغب في الزواج منها. وأكد لي أنه لن يتخلى عني، ولن يسلبني حقاً من حقوقي، ولن يقصر على أولاده، وسيعدل بيننا بشرع الله، أحسست أن سكيناً تقطع أوصالي، وأن قلبي يتمزق، كيف هانت عليه العشرة؟ كيف يطاوعه قلبه أن يجلب لي ضرة؟ كيف يريدني أن أوافق على أن أصبح نصف زوجة؟ ولكنني تمالكت نفسي وحكّمتً عقلي، وافقتً، وتم الزواج، وأصبح لأولادي ثلاثة أخوة من زوجة ثانية، وأنا بين مد وجزر، أحاول أن أستعيده يوماً، فأفقده أياماً”(27).

إن التعدد في الزيجات ليس دوماً لصالح المرأة، كما يدعي الكثيرون بأنه يقلل من نسبة عنوسة الفتيات في المجتمع الخليجي. أولاً، لأن الرجل عندما يبحث عن زوجة أخرى فهو غالباً ما يقترن بصغيرة السن ولا يتقدم للعانس. ثانياً، إن العادات في الخليج تفرض على الرجل أن يقترن في الزواج الأول من إحدى قريباته أو فتاة من قبيلته، أما فيما بعد فيمكن له أن يتزوج من يشاء سواء من الفتيات الآسيويات، أو الشرق أوسطيات، أو الغربيات. لذلك فهو غالباً ما يتزوج بأخرى وغير مواطنة، علماً بأن 70% من حالات الزواج بأجنبيات فاشلة(28). وإذا عرفنا أن غالبية الإحصائيات الرسمية لمعظم الدول الخليجية تبين أن نسبة عدد الذكور إلى الأناث بين المواطنين هي حوالي 50%، أي تشكل النصف، فهذا يعني أنه لا توجد مشكلة في تكاثر عدد الإناث وزيادتها، ولا مبرر لتعدد الزيجات أصلاً.

5 ـ الإنجاب:

لن يغيب عن ذهننا أن الإنجاب الكثير هو أيضاً أحد هموم المرأة الخليجية. ونرى الكثير من الرجال في منطقة الخليج يسعون الإقتران بأكثر من زوجة لإنجاب عدد أكبر من الأولاد. ولدى بعض الشيوخ ورجالات القبائل أعداداً ضخمة من البنين تتجاوز العشرين والثلاثين والأربعين وأحياناً الخمسين إبناً. وحسب التقاليد التي يعتبر فيها الأب أولاده ملكاً له، فإنه يشعر بالفخر والزهو كلما ازدادت وتضاعفت ملكيته.

لست أنسى سيدة سعودية تدعى أم محمد، في الثلاثينيات من عمرها، لكن تبدو مرهقة بعمر من تجاوزت الستين. كانت ممتلئة وتعبة وحامل في طفلها الثامن. وعندما سألتها عن سبب إصرارها لإنجاب هذا العدد الكبير من الأطفال قالت: “رياييلنا يحبون يمتلكون أولاد كثير، وإذا ما خلفت له يتزوج علي، فارحملي أجيب أولاد من أن يأتيني بضرة”. تقول السيدة خ. عبد الله وهي شابة من دبي في العشرينات من عمرها، أنها لم تكن ترغب بإنجاب الكثير من الأبناء “لكنها أنجبت ثلاث بنات، فأصبح مفروضاً عليها أن تنجب أيضاً حتى يأتي الولد، وإن كانت غير مقتنعة بذلك، لكنها تدرك صعوبة الخروج على تقاليد المجتمع من حولها، الذي ينظر للولد على أساس أنه العزوة في غياب الأب. لذلك فقد قررت الحمل مجدداً وسوف تراجع الطبيبة التي أوضحت لها أن الطب تقدم كثيراً جداً، وأصبح في الإمكان الإنجاب حسب الطلب، ولذا فإنها ستقدم على ذلك لإرضاء زوجها والمجتمع”. أيضاً، هذا ما تنوي فعله آمنة سالم، التي ضجرت من ردود فعل الآخرين حينما يعرفون أن لديها ثلاث بنات أنجبتهن خلال أربع سنوات، وتقول: “أنها علمت عن الطرق العلمية، التي يلجأ إليها الأطباء لتحديد جنس الجنين، واستفسرت عن موقف الدين من ذلك، فقررت أن تجرب خلال الشهور المقبلة، بعد أن تكون نالت قسطاً من الراحة، بعد الإنجاب المتكرر”(29).

يشير المهندس صلاح الحاج الحميري لعدم تفرقته بين أولاده الذكور أو الإناث، لأنهم هبة من الله، ولا يد للآباء في تحديد الجنس: “لكنّ طبيعة المجتمع العربي بشكل عام، والخليجي بشكل خاص، تجعلهم يفضلون الولد، لأن الرجل العربي يشعر حينما يكون لديه عدد كبير من الأولاد بالقوة والعزوة، وبقدرتهم على نصرته في وقت الشدة، وكلها أمور تعود لطبيعة النظام القبلي الموجود في الوطن العربي”(30).

6 ـ المتزوجات بأجانب:

لا تفوتنا معاناة الكثيرات اللواتي ارتبطن بأزواج غرباء عن بلدانهن، وأنجبن، ولم يستطعن تثبيت جنسية أبنائهن. خصوصاً بعد وفاة الأب الأجنبي أو الطلاق واستحالة العيش في بلد الزوج. والكثيرات من الخليجيات يفضلن البقاء في بلادهن، ويصبح وضع أبنائهن غير قانوني وغرباء. وفي مطلع عام 2002 جاءت أول مبادرة في الخليج من سمو الشيخ زايد لمنح جنسية الإمارات العربية المتحدة لأبناء وبنات المواطنات المتزوجات من أجانب. وتمنح الجنسية في المرحلة الأولى إلى 1300 شخص من أبناء وبنات المواطنات الأرامل والمطلقات، وذلك لخصوصية أوضاعهم “فهؤلاء الأيتام، سواء بسبب وفاة الآباء أو هجرهم لهم أو تركهم إياهم بلا معين، أو ولي أمر يتولى مسؤولياتهم، ويتابع مشكلاتهم هم أكثر حاجة لإنهاء معاناتهم”(31).

تروي الشابة سامية سعيد مبارك، 21 سنة، أنها الوحيدة بين أفراد عائلتها التي لا تحمل جنسية الإمارات، وهي الأخت غير الشقيقة لهم، ووالدها عُماني توفي منذ سنوات ونشأت في دولة الإمارات مع والدتها ووسط إخوانها وأخواتها. وقد قدمت على مدى ست سنوات طلبات للحصول على جنسية الإمارات، حتى ظهر إسمها أخيراً، ضمن أسماء المشمولين بقرار منح الجنسية. ولسعادتها، فقد بدأت فوراً باستخراج جواز سفرها الجديد، وأقامت حفلاً كبيراً بهذه المناسبة. أما السيدة حلوة، فقد بقي إبنها يحمل وثيقة سفر مصرية، ويعاني من إشكالات السفر وتجديد الإقامة أو الوثيقة على مدى أعوام، بسبب غياب الأب، فلسطيني الجنسية، وانقطاع أخباره عن أسرته منذ 12 سنة. وتشكو مريم محمد عبد الله شهاب من رحلة قلق استمرت على مدى سنوات بعد أن توفي زوجها العُماني بعد زواج قصير الأمد وإنجاب طفل وطفلة، بلغ عمرهما الآن 18 ـ 19 سنة، وعادت تحيا بين أهليها في الإمارات حيث نشأ الطفلان وتربيا وبقيا يشعران بأنهما محرومان من التسهيلات التي يتمتع بها أقرانهما وزملاءهما من المواطنين والمواطنات. وكانت مشكلة ابنها معقدة لأنها تتعلق بفرص العمل والزواج وتكوين أسرة. أما إبنتها فلم تتمكن من الإلتحاق بجامعة الإمارات واضطرت للسفر معها إلى أمريكا لإتمام دراستها، إلى أن سمعت بالمبادرة الكريمة للشيخ زايد وعادت لبلدها(32).

7 ـ التعليم:

رغم كل التشجيع الرسمي في مختلف دول الخليج على تعليم الإناث، فما تزال الكثير من العائلات تتحسب من تعلّم بناتهم، ويكتفون بدراسة البنات إلى سن معين لا يتجاوز الثانوية العامة، خوفاً من عنوسة الفتاة إذا تجاوزت المرحلة الجامعية، لأن العريس يفضل دوماً الفتاة الأصغر سناً، والأقل علماً، لاعتقاده بسهولة تسييسها. وبينما يحاول الأولياء الجمع بين زواج الفتاة ودراستها على حد سواء تفاجأ الفتاة بقوانين تعيق دراستها الطبيعية. الطالبة خالدة العلي، من الكويت، في الثانوية العامة تقول: “كل ما في الأمر أنني عقدت قراني، ولم أجد في ذلك أي حرج، وحينما ذاع الخبر، وعلمت المدرسة به جرى فصلي وحولتُ إلى التعليم المسائي، ولا أكتمكم أنني فوجئت بقرار الفصل لأنني لا زلت في بيت أهلي، ولم أنتقل إلى عش الزوجية!”، وتضيف: “لم أكن أعلم بهذا القرار، ومن وجهة نظري أعتبره قراراً تعسفيا”(33). ويقول شملان عبد الوهاب، ولي أمر إحدى الطالبات اللواتي تم فصلهن قبل سنتين، إن “تحويل الطالبات اللاتي يعقد قرانهن إلى التعليم المسائي أمر يدعو للدهشة، والقرار لم يدرس بشكل منطقي ـ ومن وجهة نظري ـ أن هذا القرار عشوائي، وقبل عامين فصلت إبنتي حينما عقد قرانها، وكم حزنت لذلك لأنني رأيت الأسى في عينيها عندما عادت إلى المنزل وهي تحمل قرار الفصل. وللأسف إن هذا القرار كان وراء إحباطها، إذ أنها لم تكمل تعليمها”. أما سارة الغانم، 17 عاما، فتقول: “من الظلم أن تفصل طالبة في الثانوية العامة لأنها عقدت قرانها بحجة أن وجودها يؤثر في سلوكيات زميلاتها”، ثم تردف: “وبالنسبة إلي فلا يمكن أن أعقد قراني أو أتزوج قبل انتهائي من الدراسة، لأن الزواج المبكر له سلبياته. الحري بأولياء الأمور أن يفكروا كثيراً قبل تزويج بناتهم اللواتي لا يزلن يتلقين تعليمهن”(34).

أخيراً، قد تتعلم الفتاة، وتنال شهادتها، وتتزوج، لكنها لن تجد بالضرورة ترحيب الزوج بعلمها، بل على العكس، قد يحاول تثبيطها ونهيها عن تحصيل المزيد، ويتحسب من ازدياد وعيها.

ثانياً ـ الطلاق:

أصبحت قضية تفشي الطلاق وازدياد نسبته ظاهرة مهددة لكيان الأسرة التقليدي وتشغل معظم المشرفين التربويين والاجتماعيين في الخليج. وهو غالباً ما يكون نتيجة لمعظم الأسباب التي تم ذكرها آنفاً. وسواء تم الطلاق باختيار المرأة أو كان مفروضاً عليها فهي تعاني منه في كلتا الحالتين وينعكس وبالاً عليها.

سيدة من الرياض لم تذكر إسمها، تحسبت من التفات زوجها إلى غيرها وتأثير ذلك عليه، تقول: “خاصة بعد تأثير القنوات الفضائية على أزواجنا وما يظهر عليها من مذيعات وعارضات للأزياء وملكات الجمال اللاتي أصبحن رمز الجمال بالنسبة للزواج وغالباً ما ينلن المديح والثناء عليهن: ما أجملها... ليتك مثلها... ألا ترين كيف تحافظ على رشاقتها!!”، وقد حاولت تلك السيدة أن تسر زوجها فأجرت عملية تجميل لشد صدرها بعد الإنجاب، لكن زوجها غضب ولامها، خصوصاً أن العملية لم تنجح كما تخيلت، وقرر الزواج بأخرى، وعندما عرفت بذلك طلبت منه الطلاق، فوافق شريطة أن تعود لدار أهلها وتتنازل عن بناتها(35).

في حالة أخرى، لم يكن الحديث سهلاً بالنسبة إلى عوشة، التي تعيش لوحدها في بيتها، بعد طلاقها من زوجها، وهي في أواخر الأربعينيات من العمر، غير أنها جمعت أفكارها المبعثرة وأحاسيسها الممزقة لتقول: قدر الله أن نفترق بعد أن تزوج الأبناء، وتفرقت بهم السبل، وأكدت بأسى أنها: “لم تعش يوماً واحداً لحظة حب، ولم تمتد إليها يد زوجها بلمسة حنان، بل كانت حياتها عقيمة، جافة، خالية من المشاعر والأحاسيس”(36). وبغضب شديد يقول محمد بن ف، الذي طلق زوجته بعد 30 عاماً: “حريمنا هن السبب الأول والأخير في ذلك، لقد تخلفن عن الركب ولم يبرحن مكانهن، وبينما يسافر الزوج ويتطور فكرياً وحضارياً، تظل الواحدة في جلباب أمها، تتعاطى الأفكار ذاتها. وتمارس السلوكيات نفسها. إضافة إلى ذلك، وإن نسبة كبيرة من النساء، لا همّ لهن غير الخياطين وصالونات التجميل، وزيارة الصديقات والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، في أبهى صورة، وعندما يعود الزوج من عمله، يجد الزوجة في فستان المطبخ أو (حاطة فيكس)، ورابطة على رأسها قوطة، فهل يجوز هذا ونحن في عام 2002؟”(37). أما روضة م. المعيني فتقول: “إن الزوجة لها باع طويل في الصبر والتحمل، بفضل غريزة الأمومة، إضافة إلى حرصها الدائم على الاحتفاظ بشعرة معاوية، التي يصر الرجل على قطعها، مع كل مشكلة. لذا حين تصل الحياة الزوجية إلى طريق مسدود، ويصبح الطلاق هو الحل الوحيد المتاح في الأفق، حتى وإن جاء بعد عقود عدة من الزواج، نستطيع أن نتخيل حجم المعاناة التي خاضتها المرأة، وأنها لم تتخذ هذا القرار المؤلم، إلا بعد أن باتت حياتها مستحيلة مع زوجها”. وتقول سهام: “لقد كان زوجي سكيراً وعربيداً وفشلت معه كل محاولات الإصلاح بينما سرق الإنتظار سنوات عمري”(38).

توضح سجلات محاكم إمارة أبو ظبي أن حالات الطلاق التي وقعت عام 1995 بين المواطنين والمواطنات الذين تتراوح أعمارهم بين 20 ـ 24 سنة، بلغت نسبة 36.5%، وازدادت هذه النسبة في عام 1996 إلى 44.2%، واستمرت في الارتفاع عام 1997 إلى 53.4%، ثم تراجعت في عام 1998 إلى 48%(39).

يسير مجتمع الإمارات الآن وفق معطيات جيدة لتفادي عدم استقرار الزواج من خلال مراكز اجتماعية واستشارية تنتشر في معظم مناطق الدولة، حيث “كان الحال مختلفاً قبل عشر سنوات عندما كانت تنشأ مشكلة، فلا تعرف الزوجة لمن تلجأ، وأصبح لديها عدة خيارات عندما تفكر في الطلاق، فقد تلجأ إلى مستشار أسري، أو قسم التوجيه والإصلاح، بعد أن كان أمامها خياران فقط.. تدخل الأهل أو الطلاق”(40).

وفي قطر، ناقش عدد من قضاة المحاكم الشرعية والعدلية والمستشارين القانونيين وأساتذة الشريعة، وممثلات عن المجلس الأعلى للأسرة ودار تنمية الأسرة بحضور رئاسة المحاكم الشرعية مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي أصدرته رئاسة المحاكم الشرعية في مطلع عام 2000، ليتم تعديله بما يتلائم مع سلامة عقود الزواج واستقرار الحياة الزوجية، والحد من آثار الفرقة والطلاق على الأسرة، وتحديد سن الزواج للفتاة والشاب، وتحديد النفقة. وبحيث يكون شاملاً ومستمداً من الشريعة الإسلامية واجتهاد الفقهاء ويحقق ترسيخ الروابط الأسرية(41).

أما في الكويت، فإن الاهتمام في مكاتب الثقافة الأسرية ساعد في خفض معدلات نسب الطلاق من حالة كل 3 دقائق و54 ثانية، ليصبح حالة واحدة كل 11 ساعة و45 دقيقة(42).

من جهة أخرى، تقول أصيلة المغيري: “أن مشكلات الطلاق والزواج في سلطنة عُمان، أقل بكثير من دول الخليج الأخرى، كما أن ظاهرة الزواج بأجنبيات نادر جداً، لأنها لا تتم إلا وفق ضوابط وشروط وتصريح بذلك”. وقالت أن مشكلات الطلاق والتفكك الأسري موجودة، لكنها نادرة “بسبب الزواج بالأقارب، الذين يحرصون في الغالب على الحفاظ على الترابط الأسري، خصوصاً الأسرة الممتدة، التي يلعب الآباء فيها دوراً كبيراً في التوجيه والإرشاد”(43).

من ناحية أخرى، كثيراً ماتضيع حقوق النساء في الطلاق لعدم معرفة المرأة بحقوقها، ولرهبتها من الذهاب إلى المحاكم والإدعاء في بعض الحالات. يقول المحامي إبراهيم التميمي أن هناك حالات تجهلها الزوجات وتتسبب في ضياع حقوقهن مثل: “ما يتعلق بنفقة الأبناء التي تمنح منذ يوم رفع دعوى النفقة فقط. ولكن للأسف كثير من الزوجات يتكاسلن ويؤجلن رفع الدعوى لأشهر وبذلك تضيع حقوق نفقة الأبناء لأنها لا تحتسب بأثر رجعي، بخلاف نفقة الزوجة التي يحق لها المطالبة بنفقتها حتى قبل يوم رفع الدعوى”. كما لاحظ أن هناك “نسبة كبيرة من الزوجات ليس لديهن الوعي الكافي بحقوقهن ويتصورن أنها أكثر مما لهن، وبعضهن يجهلن القليل الذي لهن”. أما عن رأيه بنفقة المتعة للمطلقة، فيرى أنها قليلة، فبينما تمنح للمطلقة لمدة عامين في بعض الدول العربية، فهي غير معمول بها في المذهب المالكي، في الإمارات، وقد يتضمن مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي سيصدر قريباً نفقة المتعة، ولكن حد السقف الأعلى لها سنة واحدة بعد وقوع الطلاق. ويجد أنه إذا لم تكن المرأة هي السبب في الطلاق فيجب على الأقل أن تمنح نفقة متعة لمدة عامين، خصوصاً إذا لم يكن لديها مصادر أخرى للدخل. ويقول المحامي التميمي من خبرته في قضايا الطلاق: “أن هناك إرتفاعاً لعدد النساء اللاتي يلجأن لطلب الطلاق مقارنة بعدد الرجال، خاصة أن المرأة لا تستطيع الطلاق إلا في المحكمة، وأمام القاضي، بينما الرجل فانه لا يحب الطلاق ويتريث في إيقاعه بسبب حرصه ربما على البيت والأبناء، وربما خوفاً من المصاريف التي قد يتكبدها بعد الطلاق”. كما أن هناك حالات نادرة تطلب فيها المرأة الطلاق دون سبب مقبول، وعلى سبيل المثال “هناك حالة لامرأة جائتني تطلب الطلاق من زوجها على الرغم من أنه يعاملها معاملة حسنة لكن مبررها أنها لم تعد تحبه فجأة!”(44).

ثالثاً ـ العنوسة:

في أحدث مهرجان سينمائي محلي لعام 2002 أقيم في كلية التقنية بدبي، قدمت طالبات الإعلام مجموعة من الأفلام من إخراجهن. وكان أحد الأفلام الفائزة من إخراج الإماراتية بثينة الهاشمي بعنوان: “آنسة عانس”. تقول المخرجة الشابة عن عملها: “هو فيلم اجتماعي يعالج مشكلة العنوسة في دولة الإمارات، واعتبارها من أكثر المشكلات عمقاً، ونحن المواطنات أكثر من يشعر بمشكلاتنا وحاجات مجتمعنا، ونتمنى أن يلتفت الإعلام المرئي لذلك ويتيح أمامنا فرصة إثبات الذات”(45).

ورأي عبد السلام درويش هو: “للقضاء على هذه الظاهرة أؤيد تعدد الزوجات ولكن بشرط العدل بينهن. لأن العانس أفضل من المطلقة، ونسبة زواج المطلقات من 1 ـ 7 % وذلك بسبب النظرة السلبية للمرأة المطلقة من قبل المجتمع الذي يعتبرها إنسانة منبوذة، سيئة السمعة”(46). لكن كيف أنسى دموع نورا، من أبو ظبي، في الثلاثينيات من عمرها، بجمالها ورقتها وتهذيبها التي تزوج زوجها عليها، وفضلت البقاء على ذمته كي لا تصبح مطلقة. قالت لي: “تزوجني وأنا صغيرة، وأنجبت له سبعة أولاد، واعتنيت برشاقتي وجمالي، وتزينت له، وأحببته، وراعيته، ورعيت بيته، ثم تزوج عليّ مؤخراً، وكسر قلبي. لكني سأبقى في بيتي مع أولادي كي لا ينقطع عنهم ويستمر بالإنفاق عليهم، وهذا أرحم من أن يشار عليّ بكلمة... مطلقة و... عانس!”.

رغم المشاكل والهموم الكثيرة التي تمر بها المرأة الخليجية في الزواج فهو يبقى الملاذ الأرحم قطعاً من العنوسة ونظرة المجتمع لها. فمعاناة الفتاة التي تحاصرها ظروف مقيدة، هي بالتأكيد أصعب من معاناة النساء الأخريات في المجتمعات الأكثر إنفتاحاً. لأنها بالإضافة إلى الوحدة القاتلة التي تستشعرها في نهاراتها الروتينية المملة ولياليها المؤرقة الطويلة يؤدي بها الجو المحيط إلى التشكيك وأنوثتها وبأهليتها كإنسانة متكاملة وكفؤ للإرتباط برجل وإقامة عائلة. ويتزايد فرط حساسيتها حتى لتشعر بأن جميع معارفها المتزوجات يتجنبونها خوفاً منها على أزواجهن. كما، تستشعر الفتاة أثر مأساة عنوستها في عيون والديها وذويها، وهذا ما يدفعها بشكل لا إرادي لتتخذ مواقفاً صلبة أمام الآخرين، وتتظاهر باللامبالاة، وتحجر نفسها ضمن قالب قاسٍ كي تخفي ضعفها وتداري على لهيبها الداخلي وتَحّرقها لذرة حب، وبالتالي لترتاح من نظرات الشفقة تجاهها، بل وتحاول أحياناً الدفاع عن عزوبتها الممتدة وكأنها هي التي اختارتها بنفسها. ولعل ما تقوله بطلة الرواية القصيرة في “ليل العوانس” خير شاهد يسلط الضوء بوضوح على معاناة الفتاة وأحاسيسها وهي تتطور لتصبح ناقمة وحاقدة على العالم وأجناسه، وقوانينه، وديمومته: “أنتم لاتفهمون الحياة.. الحياة عندكم قوانين وبس.. مجرد حروف صماء صارمة مكفنة في ملفاتكم.. قوانين لا تحس.. لا تتألم.. لا تبكي.. لا تعرف العزوبة وحرقتها وألمها وأضرارها..”(47) وتعبر ظبية خميس في قصتها القصيرة “بعد الخامسة مساء” عن معاناة الفتاة العازبة حتى ولو كانت تحيا في الخارج: “كيف سأقضي هذا المساء، هذه الأيام أنا مستوحدة جداً، صعبة المزاج وأشعر بصهيل المهرة في داخلي. أفقد شهيتي في مجالسة الآخرين، وأبحث عن ذلك الذي ليس هنا”(48).

إن ازدياد نسب العنوسة في المجتمع الخليجي أصبح يشكل تهديداً مؤرقاً لكل فتاة. لذا، فهي لا تألو جهداً لكي تتزين وتتجمل وترتدي أغلى الثياب أملاً بأن تتزوج قبل فوات الأوان. وتتهافت الفتاة على الزواج لأنها تجد فيه مفرجاً لها من قيود ورقابة العائلة، ولممارسة إنسانيتها وإفراغ مشاعرها المكبوته العاطفية والجنسية. تقول أصيلة المغيري: “إن من الفتيات من يعتقدن أنهن يهربن من مشكلاتهن العائلية بالزواج، على أمل الحصول على نوع من الاستقلال بالرأي والحرية الشخصية”(49). أما نادية يوسف الخلف، رئيسة قسم العلاقات الأسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية الكويتية، فقد أعربت عن قلقها لتأخر سن الزواج بالنسبة إلى فتيات الكويت، وقالت: “أن الأسباب عديدة لهذا الوضع، وأولها الزواج بأجنبيات، إضافة إلى إصرار الكثير من الشباب على الزواج ببنات خالاتهم العربيات، لأن الآباء كانوا متزوجين بوافدات”، وقد اتَهمت الرجل الشرقي في كل المجتمعات العربية، بأن له دوراً أساسياً في مشكلة العنوسة، وذكرت: “إن الرجل الذي بلغ مرحلة الأربعين من عمره يبحث عن فتاة في الخامسة عشرة من العمر كي يجدد شبابه دون التفكير بأنها لا تناسب عمره”. وقد أشارت ناديا الخلف إلى وجود دراسة في مكتب ولي العهد الكويتي، لتقنين ظاهرة الزواج بأجنبيات، والسماح للمعاق وكبير السن فقط بالزواج بأجنبية، كما أشادت بدور الخاطبات ومكاتب جمعيات تسهيل الزواج بالإسهام في تقليل العنوسة. ولكي تتاح فرص أكبر للمواطنات في الزواج، والتخفيف من نسب الزواج بأجنبيات، فقد حددت بعض دول الخليج هذا الزواج بشروط. تقول أصيلة المغيري أن ظاهرة إقتران المواطنين بأجنبيات في سلطنة عُمان نادرة جداً لأنها لا تتم إلا وفق شروط معينة وتصريح: “ولا يمنح هذا التصريح إلا للمعاقين وكبار السن، ومن تعذر عليه الزواج في الداخل بعد أن تناقش اللجنة حالته”(50).

نجد في إحصاءات الدراسة الميدانية الحديثة لعام 2002 التي أعدتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في الكويت أن 76.4% من الذكور يرون أن العمر المناسب لزواج الفتاة هو بين 17 ـ 22 سنة، وهذا يفسر الإحصائية التي تقول أن 80% ممن هنّ في هذا العمر متزوجات، وفي الوقت نفسه تؤكد الإحصائية أن 19% فقط من البنات بين عمر 25 ـ 34 سنة متزوجات، وهذا ما يؤكد أن العنوسة أصبحت تهدد قطاعاً كبيراً من الفتيات، خاصة وأن الفتيات في الكويت يرين أن العمر المناسب للزواج يتراوح بين 23 ـ 25 عاماً حيث تكتمل الشخصية وتنضج(51). وترجع ناديا الخلف أسباب تأخر سن الزواج في الكويت إلى عدة أسباب، منها كثرة تكاليف الزواج، وغلاء المهور، وعدم مبالاة الشباب، وصعوبة التعارف، والقيود الطبقية، وإنتظار فرص العمل، وصعوبة الحصول على مسكن.

تقول بدرية الحبيب، رئيسة الجمعيات الأهلية والتعاونية في البحرين، عن دور الجمعيات الأهلية ووزارة الشؤون الاجتماعية في القضاء على ظاهرة العنوسة، “إن هنالك حالات وليست ظاهرة، وهو ما يؤكد أننا لانعاني من مشكلة العنوسة، التي استطعنا محاصرتها، بالزواج الجماعي، وإنشاء مكاتب لحل المشكلات الأسرية، إضافة للجمعيات النسائية، التي أنشأت مكاتب فرعية، لها صلة مباشرة بالمحامين والقضاة والإختصاصيين النفسانيين ووزارة الشؤون الاجتماعية”. كما أشارت إلى مساعٍ تبذل لسَنّ قانون الأحوال الشخصية “الذي أصبح ضرورة، في ظل التغيرات والتطلعات الجديدة للمرأة”(52). أما محمد سيف العسيري، مدير إدارة الشؤون الاجتماعية في قطر، فقد تحدث عن دراسة لإنشاء صندوق زواج، أعدها المجلس الأعلى للأسرة، بتوجيهات من حرم أمير قطر، لتشجيع الشباب على الزواج، وقال: “إن مشكلات الزواج متشابهة في كل دول مجلس التعاون الخليجي، ومن أهم أسبابها غلاء المهور”، وأضاف: “إن ظاهرة العنوسة في طريقها للإندثار، وأن ظاهرة الزواج بأجنبيات لا تعتبر ظاهرة خطيرة، لأن كبار السن فقط هم الذين يلجؤون إلى ذلك”. أما عثمان عبد الله التويجري، المدير العام للمكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية في دول مجلس التعاون الخليجي، فيقول في لقاء مع مجلة “زهرة الخليج”: “إن مشكلات العنوسة والطلاق مازالت تشكل نسبة كبٍيرة في مجتمعات دول المجلس”، ويضيف: “أنه على الرغم من أن المجتمعات متماسكة ومتدينة، وأجري العديد من الدراسات والأبحاث عن هذا الموضوع، وتحتل دائماً الصدارة، إلا أن المشكلة مازالت تطل برأسها في الأفق”(53). وفي نفس البحث، يعلق الدكتور أبو بكر أحمد باقادر، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، “انه لاحظ أن أغلب الباحثين، عندما يقومون بعمل دراسات ميدانية لا يفكرون في التجديد، بل في أخذ الموجود فقط”. وقد دعا إلى “ضرورة عدم دفن الرؤوس في الرمال”، مؤكداً أن عدداً كبيراً من الدوائر والوزارات المختصة، لا توفر الاحصاءات المطلوبة لإعداد الدراسات.

في عام 1997، كانت مبادرة سمو الشيخ زايد بإنشاء صندوق الزواج لتشجيع زواج المواطنين، وتحديد المهر بمبلغ 50.000 درهم (15.000 دولار أمريكي). وفي سلطنة عُمان، ذكرت أصيلة المغيري أنه صدر قانوناً عمانياً يحدد المهر للزواج بمواطنة بما لا يتجاوز ألفي ريال عماني (5000 دولار أمريكي)(54).

يتناول عبد الرحمن عبد الله الرئيسي، مدير مدرسة الراشدية الإسلامية في عجمان، أسباب العنوسة في الإمارت ويرى أن المسؤولية مشتركة، وأن الآباء والأمهات والفتيان والفتيات، إضافة إلى وسائل الإعلام، يلعبون دوراً رئيسياً في بروز هذه الظاهرة في المجتمع الإماراتي، ويقول: “إن من أبرز الأسباب، المغالاة في المهور والطلبات المادية، والتركيز على (ابن العشيرة والحسب)، إضافة إلى التدخل المطلق في الإختيار، وإجبار البنت على الزواج بمن لا تريد، إضافة إلى الثراء الشديد لبعض الأسر، والذي يؤثر سلباً في بناتها”(55). تروي الكاتبة نعيمة ثاني المري في قصتها “بشرى الإنعتاق” حزن بطلتها التي حاصرها والدها سنينا برفضه للعديد من الخطابين لها لأنهم دون المستوى المادي والاجتماعي المطلوب. تقول: “مضت الأيام وقاربتُ الثلاثين.. العمر يجري ولا جديد. تعدت الثلاثين وإستقرت في منتصفها ووالدها صلد على رأيه.. يريد أن يعوضها عن تناسيه لها بزوج يرفل عليها بالنعيم.. وعده قائم وخطابها انقطعوا وما عاد منهم طارق يفكر بطلب فتاة هجرها الشباب وبقيت إطلالة... انقطع بها الأمل وما عادت تحلم بمن يفكر فيها، فآخر من تقدم كان قبل ست سنين.. حسرة قوية تعتصرها...” ويستسلم الوالد في النهاية ويعطي ابنته حريتها لتتزوج بمن تشاء، لكن سماحه لها جاء متأخراً جداًً: “غير أنها اليوم حرّة وعليها أن تختار وتفرض من تريد... ولكن أين هم الذين لها أن تختار بينهم؟ أعاد لهم وجود في خارطة حياتها؟.. تضحك سخرية من نصيبها!. فيوم كانوا ما استطاعت ويوم استطاعت ما كانوا!”(56).

تعاني الشابات اللواتي ينتظرن الزواج من الصورة النمطية، حيث يعتبر الأهل البنت “مثل الزجاجة، إذا انكسرت فلن تبرأ”. ولهذا ترزخ الفتاة تحت ضغط نفسي شديد، وتحاول الترفيه عن ذاتها والتنفيس بشتى السبل المتاحة لها مثل الزيارات، والتنزه، والذهاب مع صاحباتها إلى مراكز التسوق الكبرى. وأصبحت هذه المراكز تزدحم مساءً بأسراب من الشابات وأيضاً مجموعات من الشبان بهدف التسلية واحتمالات التعارف والتلاقي. وقد ذكرت مجلة “الأسرة العصرية” أن هناك “ظاهرة تتصف بالقلق والتوتر والكبت والتشنج، لكن التسوق في الليل ما هو إلا نافذة تساعد على حل المشكلة أو التقليل من أثرها فهي تنفس عن التوتر والقلق والكبت الذي تعيشه الشابات”(57). ويثير خروج الفتاة مع صاحباتها حفيظة الكثيرين الذين لا يؤيدون هذا السلوك. فيرى الكثيرون أن ظهور الفتاة إلى المراكز التجارية هو نوع من السلوك المنحرف للفتاة. يقول الدكتور سيف الجابري بأوقاف دبي: “إن الأم هي المسؤولة الأولى عن تصرفات إبنتها لأنها أقرب الناس إليها وأعلم بأي تغيير يطرأ على سلوكها. وأكرر أنه يجب أن تقيد حرية البنت حتى لو كانت ملتزمة ومحجبة فلا ينبغي أن تخرج لوحدها أو تسافر دونما محرم لأنها في النهاية امرأة تحتاج الرعاية والحماية من الرجل الذي هو الزوج أو الأب أو الأخ”. ويرى سبب التفرقة في التربية بين البنت والولد طبيعياً: “لأن المرأة ضعيفة الخلقة وسريعة التأثر وخروجها أمام الرجال في المحلات التجارية وسفرها إلى الدول الأجنبية بمفردها سوف تُغيران من سلوكياتها وبالتالي يذهب عنها الحياء، والحياء نصف الإيمان، وهذا كارثة تعيشها الأمة”(58).

لقد ساعدت التكنولوجيا الحديثة الفتيات للتنفيس والخروج من الكبت والحصار الذي تشعرن به وذلك عبر الانترنيت، من خلال برامج (التشات)، ويمكن للفتاة التواصل مع من تريد من منزلها وعبر كمبيوترها الخاص، أو من مقاهي الإنترنيت المنتشرة في كل مكان. أيضاً، يمكن استخدام الهاتف المحمول، الذي لا يتجاوز حجمه بضعة سنتيمترات، وسماعة تضعها الفتاة تحت الشيلة ـ غطاء الرأس ـ وتتحدث عبره طوال ساعات وأينما كانت، وتتبادل عبره الصور والأغاني والرسائل الإلكترونية. وهناك عادة خليجية معروفة ينتهجها الشبان والشابات للتواصل وهي توزيع أرقام هواتفهم، لذا فهم يعمدون لتهيئة قصاصات ورقية يدونون عليها أرقامهم، ويدسونها لمن يروق لهم. ومن المعتاد في الخليج رؤية هذه القصاصات مثبتة على زجاج السيارات الأمامي، تحت مساحة الزجاج، أو أن ترمى في سلة التسوق، أو تدس باليد.

من الملاحظ الإقبال المتزايد للإناث على المدارس والجامعات والوظائف الإدارية، وهذا ما يؤدي إلى تسارع في تطور الوعي النسائي لكنه لا يتوازى مع تطور العقلية الذكورية في الخليج، حيث يراوح الشبان الخليجيون ضمن امتيازات أجدادهم ولا يتنازلون عنها مهما تطور الزمن. لذا فهم مستمرون بالبحث عن العروس الصغيرة البريئة المطيعة والمطواعة التي يسيرونها على هواهم ولا تعرف بعد معنى المطالبة بحقوقها. والحقيقة أنه بينما تُعتَبر الفتاة في معظم الدول العربية عانساً إذا تجاوزت عمر السابعة والثلاثين بدون زواج، تبدأ عنوسة الفتاة الخليجية في سن مبكرة جداً، أي ما أن تتجاوز سن الخامسة والعشرين تقريباً.

تحت عنوان “الخطبة للابنة جرأة يقرها الشرع ويرفضها الشارع”، كتب سعيد شلش في تحقيقه أن الفتاة منذ صغرها تسمع عبارات مثل: “عندما يأتي ابن الحلال”، و”عندما يرزقك الله بابن الحلال”، وتبقى تحلم وتنتظر هذا الفارس إبن الحلال الذي قد يأتي أو لا يأتي، ولا تستطيع أن تبادر فتقول لأهلها: أعجبني فلان، فما رأيكم؟ ولا يقول الأهل لأنفسهم أن فلاناً (ابن حلال) ويستحق أن يكون زوجاً لابنتهم. وقد صرخت عايدة عندما سمعت هذا الاقتراح: “لا..لا..لا.. العنوسة أرحم من هذا الأسلوب، لأنه يقلل من شأني وشأن أسرتي، الزوج لا يرحم، فما أن تثور مشكلة بينه وبين زوجته إلا ويعايرها بأن أسرتها هي التي اختارته.!”. ويجيب الشاب سعيد العبدولي سريعاً عن ردة فعله تجاه خطبة كذلك فيقول: “أكيد سأشك في أمرها وأسأل نفسي ما الذي دفع بأبيها لكي يعرضها عليّ كما لو كانت سلعة؟”(59). من جهة أخرى، كثيراً ما تشكو الفتاة أنها رغم جمالها وعراقة أسرتها وطيب أصلها لا تجد من يتقدم لخطبتها، لأن طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه لا تتيح لها فرصة كبيرة للاختلاط.

هكذا، يأتي دور “الخطّابة” التقليدي، فهو مقبول اجتماعياً للمساهمة في تسهيل الزواج وتقليل العنوسة. وقد انتشرت الخطّابة بشكل مذهل كما تقول ناديا الخلف في الكويت، حتى أصبحت اليوم تنشر صورتها في الجريدة معلنة عن قدرتها على توفير العرسان والعرائس. وأطرف حدث هو أن أبو حمد، من الكويت، هو أول “خطّاب” ينافس النساء في المهنة التي احتكرنها أزماناً، ويمارس عمله للتوفيق بين رأسين بالحلال. ويذكر أن أصغر فتاة يُدرج اسمها في قائمة طلبات الزواج لديه، عمرها 14 عاماً. واشترطت فتاة أخرى، تبلغ من العمر 30 عاماً، أن تتزوج شيخ قبيلة، وأن يكون عمره ستين عاماً، وثري، لكنه لم يجد لها طلبها بعد(60).

ومع كل المحاولات الجاهدة للخلاص من عنوسة الفتيات في الخليج وحل مشكلتهن، تبقى المرأة بالانتظار، تحلم وتفكر:

“عانس

المشكلة عانس

شماعة وعليها تعلقت روحي

والمشكلة عانس

ما من يساعدني أو يفهم جروحي

الشارع أسود في عيوني والمدى

والناس تأكلني بنظرات يغطيها الصدا

والمشكلة عانس.....”.

                   رؤية لـ: شيخة الجابري، شاعرة اماراتية(61).

أظهرت مؤخراً تقديرات وزارة التخطيط أن عدد المواطنين في إمارة الشارقة بلغ 123.000 مواطن، منهم 62.000 من الذكور بنسبة 50.4%، و61.000 من الإناث بنسبة 49.6%، أي أن نسبة الذكور والإناث بين المواطنين ظلت على ما هي عليه خلال خمس سنوات 1995 ـ 2000(62). وهذا المثال يؤكد أنه لا توجد أعداد زائدة الإناث عن عدد الرجال، بل على العكس تماماً حيث تصل النسبة أحياناً إلى 60% ذكور مقابل 40% إناث في بعض المناطق الخليجية. ولذلك فإن انتشار العنوسة هو بسبب الرجل الذي يتزوج من غير بنات بلده ويهرع وراء الأجنبيات أو يبحث عن صغيرات السن. وفي حوار صريح مع الشيخة أمل القاسمي، والتي تتبوأ الآن منصب رئيسة قسم العلاقات العامة والمجتمع في كلية التقنية للطالبات بالشارقة، تشرح بعض مشاكل البنات التي تصادفها، وتقول: “إن 50% من جيل الشباب اليوم أمهاتهم غير عربيات بل آسيويات، وهذا الأمر يسبب الحرج والخجل للفتاة من أمها، وفي المقابل تكتشف أن الأب عجوز أو متعدد الزيجات، ولديه عدد كبير من الأولاد. وهذه القضية تشكل عبئاً على كاهل الفتيات، فهي تتحرج من أمها، ولا تريد أن يعرف أحد بأن أمها آسيوية وبالتالي نواجه مشكلة لدى استدعاء هذه الأم التي قد لا تنطق كلمة أو كلمتين عربيتين، وتكتفي بالقول (معليش خلاص قفلي الموضوع”). وتضيف عن مشاكل الزواج والعنوسة: “فإذا ما سألت أحد الشبان عن سبب اقترانه بأجنبية يجيب فوراً أن ابنة الإمارات مهرها غالٍ (ولكنه نسي أنه يبدل سيارة كل عام بموديل أجدّ) وإذا كانت هناك فتاة مهرها غالٍ فهناك الكثيرات يرضين بالقليل”. وتستطرد قائلة: “إن صاحب السمو رئيس الدولة أمر بألا يتعدى مهر الفتاة الإماراتية 50 ألفاً، ولكن الذي يحصل في عقود الزواج أنها تكتب بـ 20 ألفاً، وتحت العقد 50 الفاً!!”(63).

أثر جمال المرأة في العنوسة:

كتبت هدى الصالح في زاوية هموم امرأة ما يلي: “كانت مثقفة جداً، ومبهرة في حديثها، لكني أتفهم مشكلتها، لقد كانت سوداء.. بكل بساطة رغم انطلاق فكرها وثقتها العالية، لكن جلدها الغامق خلق عندها عقدة شديدة”. قالت: “يجب أن أتزوج رجلاً جلده فاتح حتى أحلُ العقدة”، ولم يأت الرجل الفاتح لا لها، ولا لكثيرات شبيهات بها. ثم أردفت: “سأبقى هكذا للأبد”... “أنا حرمت من الاحترام والحب طوال عمري، وإلا كيف تظنين أني نجحت وتفوقت، لقد كنت أعوض الحب بالبحث والدراسة. والآن هي في الخمسين من عمرها وما تزال تدفن رأسها في الكتب، رأيت لها صورة اليوم في الجريدة، تلقي محاضرة أخرى عن طموح المرأة وثقتها بقدراتها، وتحسرت عليها، كل هذا الكلام الجميل المنطقي، لم ولن يفيدها..”(64).

في استبيان شمل مائة رجل ومائة امرأة من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، أجرته مجلة زهرة الخليج الإماراتية، (وهي مجلة نسائية متداولة كثيراً في الخليج ومعظم أنحاء الوطن العربي، وتتناول العديد من المواضيع الجادة والواقعية في المجتمع)، تبين أن 54% من الرجال يفضلون المرأة الجميلة، و46% يفضلون المرأة الذكية. وكشف الإستبيان أن الرجال من الفئة العمرية 20 ـ 30 عاماً يميلون لتفضيل المرأة الجميلة، بينما ينحاز الذين تجاوزوا الأربعين من العمر إلى المرأة الذكية. وكذلك بالنسبة للنساء، فقد لوحظ أن نسبة كبيرة من اللواتي تراوحت أعمارهن بين 31 ـ 40 عاماً فضلن الذكاء على الجمال، في حين تضاءلت تلك النسبة عند الشابات اللاتي تراوحت أعمارهن بين 20 ـ 30 عاماً. وتفهم سهاد مقطش، إحدى المشاركات في الإستبيان، وجهة النظر الذكورية وتقول: “المرأة لن تحظى بإعجاب أحدهم، لو لم تكن على قسط من الجمال، فحين يبحث الرجل عن عروس، يطلب الجمال قبل أي شيء آخر. وإدراكاً من الفتيات لتلك الحقيقة تراهنّ ينفقن الوقت والجهد والمال للحصول على مظهر جميل وأنيق، لنيل الإعجاب والظفر بعريس في وقت قلّ فيه عدد العرسان، فيكفي المرأة أن تكون جميلة، لأن الذكاء لن يخدمها ولن يساعدها، على الحصول على زوج أولاً، وعلى التعايش معه ثانياً، كما قد يخدمها جمالها”. ويقول يوسف اسماعيل، موظف في شركة بترول، وهو من مؤيدي الجمال: “حين ينشد الرجل منا الإستقرار وإنه يفكر في الزواج ليستكمل دينه ويريح باله كما يقولون. ولكن حتى تكتمل هذه المعادلة الحياتية، لا بد من إيجاد المرأة المناسبة كطرف أساسي في هذه الشراكة، ومن الصعب بناء أسرة مع امرأة ذكية، فالذكاء يجعل المرأة نداً للرجل، الأمر الذي يجعلها تشكل خطرًاًً عليه”، ويضيف: “ولكن أن أغار على زوجتي بسبب جمالها، أفضل من أن تثور أعصابي بسبب ذكائها، الذي يجعلها تسعى إلى فرض رأيها”. أما الدكتور موسى الشلال، أستاذ الاجتماع في جامعة الإمارات، فهو يرى أن الأسباب الحقيقية التي تدفع رجال المنطقة لتفضيل الزواج بامرأة يفوق جمالها ذكائها هي: “لقد اعتاد الرجل في مجتمعاتنا الشرقية العيش تحت الأضواء، في الوقت الذي يفضل أن تظل امرأته سجينة الظل، وعدم زواجه بامرأة ذكية من شأنه أن يحفظ له هذا التوازن ويرسخ هذا الشكل في طبيعة العلاقة التي تجمعه بها”(65).

تنطلق صرخة الشاعرة الكويتية سعاد الصبّاح لتعبر عن هذا الهم النسائي في قصيدتها التي غنتها الفنانة ماجدة الرومي، بعنوان “كن صديقي”، وأورد بعضاً منها:

“كن صديقي

إني أحتاج أحياناً لأن أمشي على العشب معك

وأنا أحتاج أحياناً لأن أقرأ ديواناً من الشعر معك

وأنا كامرأة يسعدني أن أسمعك

فلماذا أيها الشرقي تهتم بشكلي؟

ولماذا تبصر الكحل بعيني؟

ولا تبصر عقلي...!

إنني أحتاج كالأرض إلى ماء الحوار

فلماذا لا ترى في معصمي إلا السوار؟

ولماذا فيك شيء من بقايا شهريار؟”

تستمر المرأة الخليجية تعنى بلباسها، وقوامها، وبخورها، وعطورها، وحنتها متنقلة بين صالونات التجميل والمراكز التجارية، لأنها تعرف أن ما يجذب الرجل بالدرجة الأولى هو جمالها وشكلها. بالإضافة لذلك، فهي تثابر في دراستها وعلمها وعملها، وتعنى بأولادها وزوجها وبيتها ومطبخها، وتطمح لأن تكون الزوجة المثالية والأم الرؤوفة وست البيت الممتازة، وتأمل بأن تستحوذ على إعجاب الرجل واهتمامه، فهل يا ترى تفلح كل جهودها لتنعم بالسعادة معه؟ أم أن معاناتها تكمن بسبب مزاجية الرجل وأنانية رغباته التي تمتد أبعادها إلى ما لا نهاية.

قالت الإعرابية لابنتها: “كوني له أمة، يكن لك عبداً..” ومع عدم تقبلنا لكلا التعبيرين المجازيين، فقد طالبوا المرأة بتنفيذ الشطر الأول، ونسوا تلقين الرجل الشطر الثاني.. فصار سيداً.

أخيراً، أعلن نيقولا أبو سمح، مخرج وإعلامي لبناني، عن مشروع قناة فضائية جديدة اسمها (هي) ستبدأ بالبث، وتطرح قضايا المرأة العربية وحقوقها ومشكلاتها، وتعتمد على توجهات وجهود الجمعيات النسائية ونشاطات الشخصيات النسائية البارزة في العالم العربي. وقد أوضح أنه لن يتم التعامل مع المرأة على أنها سلعة كما يحدث الآن في غالبية الفضائيات وأن (هي) لن تظهر بهذا الشكل في أي وقت من الأوقات وإلا فإنها ستتنازل عن الدور الذي أنشئت من أجله. فقد برهنت المرأة العربية على أنها ليست وسيلة متعة أو مجرد حامل للفساتين وأدوات التجميل، وأكدت أنها جديرة بقيادة المجتمع(66). وقد انتظرنا ولادة هذه الفضائية المتميزة، وحينما بدأت وتابعناها وجدنا أنها نسخة طبق الأصل عن أية مجلة نسائية تقليدية، تبث عروض الأزياء على مدى أربع وعشرون ساعة، وتعتني بدعايات المجوهرات وأدوات التجميل، وبرامج الطبخ، وفي أحسن الأحوال تبثُ فيلماً يعالج قضية امرأة، أو تُجري حواراً يعنى بشؤون المرأة الصحية تارة، والاجتماعية تارة أخرى، ودون فتح الأفق للخوض في مجالات جدية وخاصة تعاني منها النساء من مختلف الشرائح في يومياتهن وخلال مراحل حياتهن.

آمل يوماً بظهور قناة تلفزيونية حقيقية موجهة للمرأة وتقوم بدور إعلامي هام، وتساهم في تحسين أوضاع المرأة في الخليج وبقية الدول العربية، وتؤثر في تطوير المجتمع لكي يتقبل المرأة ويحترمها وينصفها وإنسانة تامة مثل الرجل.

ملاحظة:

لم يكن جمع المعلومات عن المرأة الخليجية يسيراً، وهذا يرجع لسببين أساسيين:

أولهما عدم جرأة الإعلام في التطرق إلى مواضيع حساسة تتعلق بالمرأة. خصوصاً أن الرجال هم المسيطرون بشكل أساسي على التوجيه الإعلامي العام في المجتمع، ويفرضون ويسمحون بما يريدون فقط، ويكتبون عن السطحيات التي تترائى لهم دون استيعاب أعماق قضايا المرأة التي تهمها.

ثانيهما، أن المرأة ذاتها غالباً ما تتحرج من البوح بمكنوناتها بسبب سطوة العادات والتقاليد وتأثيراتها عليها وعلى سمعتها. وقد استغربتُ نضب المكتبات من الأعمال النسائية الجريئة التي سمعتُ عنها. كما وجدتُ أن معظم المواقع التي عبّرت فيها المرأة عن نفسها على الإنترنيت قد تم تعطيلها أو حجبها، وبقي ما عبّر فيه الرجال عن قضاياها ومن وجهات نظرهم فقط.


الفصل الثالث

المرأة والعمل في منطقة الخليج العربي

أ. مجد الشرع

تقديم:

صدمت ر.ع في مكتب التوظيف الذي وجد لها عملاً شاغراً لتعمل كسكرتيرة! إنها شابة وافدة من بلاد الشام إلى الخليج، وهي فتاة دؤوبة وجادة، تحمل الماجستير في علوم الكومبيوتر من أعرق جامعات أوروبا، تبحث عن عمل ضمن إختصاصها، ولا يعرض عليها على مدى ثلاثة أشهر سوى وظيفة سكرتيرة، ولكن هذه المرة في قسم التقنية في أحد فروع بنك أبو ظبي. ونظراً لإمتعاضها وإنهاكها من الإنتظار فقد شجعها المكتب لقبول هذه الوظيفة علّها تستطيع إثبات نفسها مع مرور الوقت وتقنع رؤسائها بإمكانياتها لكي تنتقل للعمل ضمن إختصاصها بالبرمجيات في قسم التقنية ذاته مستقبلاً. عندما قابلت ر.ع المسؤول عن القسم، تأكدت من أن المدراء المعنيون في البنك لم يهتموا بمؤهلاتها العلمية وكفاءتها المهنية بقدر إنتباههم لشبابها ومظهرها وتمكنها من عدة لغات.

كونها أنثى فهناك تصورات مسبقة تعنونها سلفاً وتحدد مكانها. هذه واحدة من السلفيات التي تواجه المرأة حالما تنطلق باتجاه الحياة العملية. فرغم التطور الكبير الذي وصلت إليه المرأة إلا أن هنالك أطراً جديدة أيضا حُدِدَت لها في هذا العصر، بحسب السياسة الذكورية المهيمنة، ولذا فهي تجهد باستمرار لإظهار إمكانياتها كي تثبت ذاتها أينما عملت. وإذا كانت المجتمعات الدولية بشكل عام والعربية بشكل خاص ما تزال ذكورية، فان المجتمعات الخليجية هي مجتمعات ذكورية جداً وبامتياز.

أركز في بحثي حول عمل المرأة في الخليج على نموذج المرأة الإماراتية، وذلك لسببين: أولاً، لأن المرأة في الإمارات قد حققت قفزات ملموسة خلال سنوات قليلة بفضل القيادة المتميزة لسمو الشيخ زايد النهيان، وثانياً، لأن دولة الإمارات أصبحت من الدول المتفوقة والمنفتحة ضمن منطقة الخليج.

في مقابلة تلفزيونية على فضائية دبي الاقتصادية بتاريخ 31»5»2002، تمت مناقشة موضوع المرأة والعمل مع الدكتور الشيخ أحمد الكبيسي حيث عبر عن رأيه بأن المرأة من الجيل الماضي التي لم تتعلم ولم تخرج من البيت كان وجهها يطفح نورا بالمقارنة مع تلك المرأة الحديثة التي ترتاد الجامعات وتختلط بالرجال في دوائر العمل. وفي نفس المقابلة يتصل السيد خ.ع من خورفكان، الذي كان متزوجاً من سيدة إماراتية ولديهما طفلان، ويقول: “لقد قدمتُ لزوجتي إستثمارات تدر عليها دخلاً خاصاً بها وهي جالسة في البيت، لكنها أرادت النزول بنفسها للعمل. وقد خيرتها بين الزواج أو العمل، لأنني أرفض خروجها من البيت واختلاطها بآخرين، فأصرت على العمل، لذا طلقتها!” فأثنى عليه الشيخ أحمد فعلته لأنه لا مبرر لعمل المرأة ولا لعلمها ولا لاختلاطها إذا لم تستدعي أوضاعها المادية ذلك.

كان ذلك الحديث مستغرباً، وأثار استنكاراً بين المشاهدين والمتصلين بالبرنامج. فبينما يقوم الشيخ زايد وقرينته الشيخة فاطمة بتشجيع وتحفيز النساء على الدراسة، والإبداع والعمل، وإعلان المساواة بين الجنسين، يقوم بعض الدعاة بالتوجيه إلى النقيض. وهكذا تقع المرأة الخليجية في حيرة وتناقض بين التقدم في تحصيلها الدراسي وممارستها للعمل في المجتمع من جهة، وبين التقاليد المتوارثة والحفاظ على نموذج هوية المرأة المسلمة من جهة أخرى. فهنالك تناقض بين القوانين التي تتيح العمل للمرأة وبين الموروثات المسيطرة على عقول الشعب الخليجي. ففي السعودية مثلاً، حيث يتاح للمرأة الدراسة في الجامعات، تتوقف الخريجات عند هذا الحد ولا يَتمكنّ بسهولة من ممارسة العمل وتطبيق تحصيلهنّ العلمي عملياً. كشفت إحصائية حديثة للهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أن “7% فقط من حجم القوى العاملة بالرياض هو حجم مشاركة العنصر النسائي السعودي في سوق العمل”، وقد بينت الدراسة أن “هناك مهناً لا ترتادها المرأة مثل الوظائف الزراعية، والملابس، وخدمات الاتصالات .. في حين أن القطاع التعليمي سجل أعلى عدد للعاملات السعوديات في الرياض يليه قطاع الصحة ثم الوزارات فقطاع الخدمات الشخصية فالوظائف الحكومية”. وتتسائل عائشة 23 عاماً: “لا أدري أين الخلل؟ فعدد الخريجات كبير والجميع يريد أن يعمل، هذا بالنسبة لضآلة القوى العاملة النسائية، أما بالنسبة للتخصصات فالدراسة بالجامعة لا تتيح لنا سوى ذلك وأعتقد أننا بحاجة إلى قوة إقناعية بأهمية دخول الفتاة والمرأة السعودية إلى تخصصات غير تقليدية كإدارة الأعمال والقطاع الخاص بشكل عام”(1).

وكما تتفاوت الإختلافات بين قطر خليجي وآخر، تتفاوت العلاقات والسلوكيات والأفكار بين منطقة وأخرى في نفس البلد حسب فارق المنشأ الحضاري ومعتقدات كل منطقة. ففي الإمارت العربية مثلاً، تتفاوت المعتقدات بين سكان العاصمة أبو ظبي، ودبي، والشارقة، وبقية الإمارات الشمالية. فبينما غالبية سكان إمارة الشارقة هم من العرب البدو أو الحضر، فإن معظم سكان إمارة دبي هم من ذوي أصول إيرانية. لذلك نجد عدداً أكبر من النساء في إمارة دبي يباشرن العمل والوظائف جنباًً إلى جنب مع الرجل، بينما تتحاشى العائلات العربية في إمارة الشارقة انطلاق نسائها إلى جو العمل لأنها أكثر تحفظاً. أما في العاصمة أبو ظبي، حيث ترجع أصول العائلات الكبيرة الى قبائل يمنية أصيلة، فنجد إنفتاحاً لدراسة الإناث مع التشديد على السماح لهن بممارسة العمل ضمن وظائف محددة أولها التدريس في مدارس الإناث. أما بقية الإمارات الشمالية فيظهر فيها تدني نسبة المرأة العاملة بشكل ملحوظ بسبب إنغلاق الأجواء وتأثير العادات والتقاليد الإجتماعية.

في الحقيقة، شهد الربع الأخير من العقد المنصرم نهضة نسائية كبيرة في الخليج، وشاركت المرأة الخليجية في شتى المجالات العملية خارج أسوار المنزل. فلم يعد دورها يقتصر على مهنة التدريس التي كانت مفصلة حصراً على مقاسها ضمن مدارس وثانويات البنات، بل تعدتها لتصبح محاضرة، وكاتبة، وطبيبة، وممرضة، ومهندسة، وإعلامية، وشرطية، ومرشدة سياحية، وسيدة أعمال، ورياضية... إلخ. حسب الإحصائية الرسمية الأخيرة لعام 2001 في الإمارات يوجد هناك 26.000 خريجة جامعية كل عام عدا عن حاملات الشهادات العليا والدكتوراه.

ويشجع الشيخ زايد هذا التطور النسائي، كما يفتح السبل والمجالات أمام المرأة الإماراتية لتصبح وكيلة وزارة. لكن معظم هذه القدرات المتعلمة مغيبة عن الوسط العملي للمشاركة في بناء الدولة. فرغم التشجيع الرسمي وتهيئة الفرص لكي تمارس المواطنات دورهن في المجتمع نجد نسبة لا تتجاوز 15% من المتعلمات تنطلق للعمل. يعلق الدكتور حسن قايد، الأستاذ المساعد في قسم الإعلام في جامعة الشارقة: “من المفارقات العجيبة أن المرأة أكثر بروزاً في الإطار الأكاديمي، وأشد حماسة للدراسة في قطاع الاعلام، تقول الإحصاءات الدقيقة وآراء كثير من أساتذة الإعلام في جامعاتنا، أن نسبة الطالبات اللاتي يدرسن الإعلام تصل إلى 75% مقارنة بالطلاب”. ثم يكمل: “فإذا انتقلنا إلى العمل الميداني المكرس للمؤسسات الصحافية والإعلامية، فإن المرأة، وخاصة المرأة في الإمارات، تكاد تكون غائبة تماماً إلا ما ندر، وهذا الواقع يتعارض مع واقع الأرقام للطالبات اللاتي تخرجن من كليات وأقسام الإتصال خلال العشرين عاماً الماضية. فأين تذهب هذه النسبة العالية للخريجات؟”(2).

ولإحجام المرأة عن العمل أسباب عدة قد تكون قسرية أو إختيارية، وفي كلا الحالتين تشعر المرأة بغبن حقها وتتحسب غالباً من البوح بذلك علناً. سأذكر هنا بعض الأسباب الأساسية التي تؤثر على إنفتاح المرأة وتوجهها للعمل:

1 ـ التقاليد ونظرة المجتمع إلى المرأة العاملة:

ما تزال الكثير من العائلات لا تتقبل خروج بناتها للعمل حفاظاً على سمعتهن، لأن العمل يتيح الإختلاط بين الجنسين. وكثيراً ما تتعارض أفكار التربية الشرقية والدينية مع ذلك الإختلاط. فما يزال الكثيرون يرددون الحديث النبوي الشريف الصحيح “لايخلونّ رجل وإمرأة إلا كان الشيطان ثالثهما”. مع أن معظم الفتاوى الشرعية لا تجد غضاضة اليوم في إلتقاء الرجل بالمرأة ضمن أماكن العمل. يؤكد الشيخ أحمد الموسى، الواعظ الأول في وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف في الإمارات: “لا يُحَرَم عمل المرأة في ظل الظروف الإجتماعية المناسبة لها، فكرامة المرأة في الإسلام جزء من حقوقها الأساسية، التي تتساوى فيها مع الرجل، وبناء عليه لها حق العمل والتوظيف في لباسها الشرعي، ولو جلست في مكاتب مشتركة، أو في دوائر مختلطة، مادام الهدف هو العمل الذي ينهض بالوطن ويسهم في توفير الحشمة والوقار ودون التعرض لإغراءات الحياة”(3).

أيضاً، هناك تداخل في النظرة تجاه المرأة وعملها، لأن الفكرة التقليدية التي تحكمها كأنثى وأم تقوم بالعناية بالأسرة داخل المنزل لا تتقبل المرأة في إطار جديد مختلف وموازٍ للمهمات التي اعتاد الرجال القيام بها حصراً. وفي سؤال إلى ميثا محمد بن عدي، مهندسة طرق في بلدية دبي، عن أسباب زيادة نسبة الطلاق والعنوسة رغم ازدياد الوعي والمستوى التعليمي عند الرجل والمرأة تقول: “المسؤولية تقع على عاتق الطرفين، فأحياناً يؤدي طموح بعض النساء إلى إهمال الجانب الآخر في حياتها، وأقصد البيت والرجل، وقد يصل بهن الأمر إلى الإستغناء عن هذا الجانب من أجل تحقيق ذواتهن، وأحياناً نجد بعض الرجال يحدّون من حركة النساء ويهمّشون إنجازاتهن”، وتضيف: “ومن الأسباب أيضاً، وقوف الرجل أحياناً في وجه طموحات المرأة، ويفرض عليها العمل في مجالات محددة، وأوقات معينة، وبعضهم يرفضون أن تعمل في جو مختلط إلى آخر هذه القائمة من معوقات يضعها أمامها”(4).

مهما أبدى الرجال قبولاً ظاهرياً لوضع المرأة الحديث فإن مكنوناتهم تجاه مكانتها التقليدية غالباً ما تبرز في حال بدأت تنافسهم في إنجاز عملها. فهي إن تفوقت ندموا لسماحهم لها باختراق أجوائهم، وإن فشلت وجدوا تبريراً كافياً لتأكيد عدم أهليتها. اضطرت المواطنة ندى عيسى محمد للإستقالة من عملها كحل للخلاص من الحرب التي شنها عليها أحد زملاء العمل. وتوضح أن اجتهادها في العمل مقابل إستهتاره وعدم التزامه بمهام وظيفته سلط الضوء على “كسله وإهماله” فأثار ذلك حفيظته وشكل جبهة هجوم ضدها كما تقول: “عن طريق الوشاية بي، وتلفيق الأكاذيب التي هزتني، وزعزعت موقفي أمام الإدارة لأرى نفسي وحيدة أواجه إعصاراً من الإتهامات”(5).

وتؤكد انتصار آل ربيعة، رئيسة قسم الخدمة الاجتماعية في وزارة الصحة بأبو ظبي، على محاربة الرجال للمرأة في العمل، وتقول: “إن المرأة الناجحة مُحاربة من قِبل الرجال دائماً، وغالباً ما يستخفون بمهاراتها وحجم عطائها في العمل”(6). وأكثر ما يثير حفيظتها هو “إسناد المهام البسيطة للمرأة حيث تساعد تلك السياسة على تحجيم موقعها في العمل، وحرمانها من فرصة إتخاذ القرار”(7). أما هشام منصور، موظف حسابات في شركة خاصة، الذي يؤمن بقدرات الرجل أضعافاً عن قدرات المرأة، ولا يقبل تفوقها عليه، فهو يؤيد أيضا النظرة المجتمعية السائدة عن المرأة لأنها مهما بلغت من درجات التفوق المهني تبقى في النهاية ربة منزل، ويقول “وهذا ما تتناساه في بعض الأحيان فتزاحم الرجل في مرماه، في حين أن ملعبها الحقيقي بين أولادها”(8). أما الشيخ دعيج الخليفة الهباج فيقول: “صحيح أن المرأة طالما ساهمت في الزراعة والرعي وغيرهما لكنها كانت دائما خلف الرجل في ذلك فإذا فتّت الرجل الصخر بفأسه فهي تغربل الحجارة بيديها وأصابعها، كما كانت تعمل دون مقابل مالي ربما مقابل لقمة العيش، واليوم تستطيع المرأة أن تعمل إلى جانب الرجل وفي أي مجال كان حتى قيادة الطائرات العسكرية، والتغيير السابق حصل لأسباب كثيرة ترتبت عليه تغيرات مهمة على رأسها ما يتحدث عنه الإعلام من مساواة وعدالة وحرية، ولكن ما الثمن الذي دفعته المرأة لذلك؟ الثمن في نظري دفعه الأبناء، فالأم الآن تختفي عن أعين أطفالها لساعات ثم تعود ولا تدري ما فعلوه في غيابها ولاهم يدرون ماذا فعلت في غيابهم، ولعل ما أوردته في السطور السابقة هو تبسيط لمشكلات المرأة وهي تحاول أن تتكيف مع مستجدات العصر”(9).

وببساطة فإن الواجبات تجاه الزوج وتربية الأبناء والعناية بالأسرة وكل ما يتبعه هو اختصاص نسائي بحت يتعلق بالمرأة فقط. وعموماً، لايعتبر الرجل الخليجي نفسه معنياً بأي من هذه الشؤون. وتصل المرأة أحياناً إلى نقطة المستحيل في تحقيق كل ما يقع عليها من أعباء وتضطر للإستغناء عن تحصيل العلم أو العمل وتركن في البيت.

في المنتدى العائلي الحادي عشر الذي عقد في أبو ظبي بتاريخ 27»3»2002، في إطار التعاون المشترك بين مؤسسة صندوق الزواج ومدرسة زبيدة الإبتدائية، تبين أن “87% من الأبناء لا يشاهدون آبائهم في المنزل إلا لماماً، وأن 7% لا يتحدثون معهم إلا نادراً جداً، وفي موضوعات لاعلاقة لها بالتنشئة الأسرية، وأن 3% من الأبناء لا يعنيهم وجود الأب في المنزل أو غيابه عنه. ونجد أيضاً أن معدل ما يمضيه الرجل الإماراتي، مثلاً، مع أطفاله لا يتجاوز خمس دقائق يوميا”(10).

2 ـ عدم تقبل الزوج لعمل المرأة:

ما ذُكر آنفاً يدل على الفراغ الكبير الذي يحدثه خروج الزوجة إلى العمل في حال وافق ذووها على عملها أصلاً. لكن غالبية الأزواج الخليجيين عادة ما يتزوجون بمواطنات متعلمات على أن يبقين رهن المنزل، إلا في حالة الحاجة إلى دخلهنّ. وهذا يقودنا إلى السبب الثاني المباشر الذي يحول دون إثبات المرأة لدورها الفاعل في المجتمع خارج البيت لأن الأهل والزوج لا يتقبلون عمل المرأة بسهولة. وإذا تم ذلك فهي تتحمل أعباءً مضاعفة، فلا هي تُرْحَم من أعباء دورها التقليدي ولا يُغفر لها التقصير به لأن المجتمع ما يزال غير مقتنع بمشاركة الرجل أعباء المنزل والأسرة مع المرأة، وغير مستعد بعد للتنازل عن العنجهية الذكورية التي اعتاد من خلالها ممارسة حريته في قضاء وقته بين صحبه في الخارج وبدون مسؤولية تذكر تجاه تنشئة الأطفال أو العناية بهم مثلاً. ولا ننكر أن محاصرة المرأة ضمن جدران المنزل، ونهيها عن العلم والعمل أيضاً، هو ليس فقط نتيجة الغيرة عليها بل لتخوف الزوج من تفتح زوجته على آفاق يعتبرها من حق الرجل فقط. فالعلم معرفة، وطموح، ورغبة في إثبات الذات والعمل والمطالبة بالحقوق والمساواة. لذلك فهم يفضلون الفتاة الأصغر سناً للزواج عن تلك التي تتسلح بشهادات جامعية وعليا. تقول هدى الصالح في زاوية هموم إمرأة “زوجي يكره الكتاب”: “كلما رآني زوجي أقرأ، ازداد غضبه، مسألة أصبحت أعرفها” ثم تعقب: “يقول ان القراءة هي التي تدمر عقول النساء، وتوهمهن بأن الأصول الموجودة يجب أن تتغير”، ثم وجدتُ بعد أن استدرجته في الحديث “خوف زوجي من الكتاب هو خوفه من تعليم المرأة وهو يعرف أن المعرفة والعلم هما اللذان دفعا المرأة، من منطقة الظلام إلى منطقة النور، لذلك يكره الكتاب”(11).

3 ـ دور الإعلام في تحجيم المرأة:

يؤثر الإعلام على انطلاقة المرأة للعمل. فما يزال الإعلام الخليجي مقصراً في نجدة المرأة ومساعدتها لتخطيها الحواجز التقليدية ودعمها لمواجهة التطور الذي تنحو باتجاهه. وتساهم جميع المجلات النسائية، على الإطلاق، في تحجيم المرأة والتركيز على الدور الروتيني لها. وعادة، لا تحتوي أفضل هذه المجلات على أكثر من نسبة 15% من الصفحات التي تطرح بحوثاً جادة تتعلق بمواضيع صحية أو إجتماعية أو تتضمن توعية عامة بناءة تغذي الفكر والروح. و85% الباقية تحتوي على أخبار الفن والنجوم ونشاطاتهم وفضائحهم، وطرائف، وأطباق طعام، ودعايات لمستحضرات التجميل، والعطور، والمجوهرات، والأزياء.. الخ. وتعاني الإعلاميات أنفسهن من عجز في وقف التيار الذي يبرز صورة المرأة بما لا تمثلها حقيقة، بل وفيها الكثير من التجني والتشويه لها. ناهد سعيد باشطح، (كاتبة وصحافية سعودية وحاصلة على جائزة الصحافة العربية للمقال)، تشرح كيف يتحمل الإعلام دوراً كبيراً ويؤثر في عقلية الناس عبر “طريقة توظيف المعلومة”، وتضرب مثالاً حول تحقيق صحفي نشر في إحدى الصحف السعودية منذ فترة قريبة بقلم إحدى الصحفيات السعوديات تحت عنوان مثير (النساء في السعودية يلغين إشتراكات بعض القنوات الفضائية لغيرتهن من المذيعات). تقول ناهد: “قرأت هذا العنوان فلم أحاول إتهام زميلتي الصحافية، لأن شخصاً آخر إختار هذا العنوان لإثارة القارئ، وآخر قام بإخراجه بشكل بارز، وكل هؤلاء هم من الرجال بالتأكيد. صحيح أن الإحتمال كبير أن تشعر بعض الزوجات بالغيرة من المذيعات، لكنهن بالتأكيد أيضاً لسّنَ كل النساء، بل بعضهن ممن تقديرهن ذواتهن ضعيف”(12).

أما في مجال الإعلام المرئي، فوضع المرأة كارثي حتى الآن، حيث ما تزال النظرة إليها تتركز في اعتبارها سلعة ووجه جميل وجسد تتقاذفه شتى الإعلانات. فالهيمنة الذكورية على الإدارات العليا والأساسية في الإعلام لا تتوقف عن إبراز المرأة بالصورة التي يرسمها لها الرجل. وغالباً ما تتغيب وجوه المواطنات الخليجيات عن الإعلام الخليجي وتُستَبدَل بوافدات من الدول العربية الأكثر انفتاحاً. وهناك عدة أسباب لهذا الغياب كما تقول بثينة القلاف، مراقبة وسائل الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام بالكويت: “أولها القيود الإجتماعية والخوف على السمعة من دخول هذا المعترك، إضافة إلى رفض الأسر المحافظة دخول بناتها هذا المجال أو الظهور على شاشات التلفزيون، لكن في رأيي أن هذا العذر غير مقنع، وعلينا أن نتحرر من عقدة الخوف مع الحفاظ على العادات والتقاليد، كي لا تلجأ فضائياتنا إلى الإستعانة بمذيعات من الدول العربية الأخرى”(13). وتبدي فاطمة غلام الزدجالي، (رئيسة قسم المرأة والطفل في جريدة عُمان)، تذمرها من الموضوعات التي يطرحها الإعلام المرئي والمقروء وتتهم الجهات المعنية بالتوجه للسطحيات الرخيصة وتجنب أعماق القضايا، وتقول: “لا زال الإعلام يهتم بالمظهر فقط، دون النظر إلى المضمون الذي يخاطب كافة الفئات”. وهي تحيي الخطوات الحديثة في سياسة الإعلام الموجه بسلطنة عُمان وإسهاماته “في معالجة قضايا المرأة الملحة أكثر من جميع الأجهزة المقروءة والمسموعة”(14). وتؤيد نعيمة المطاوعة، (الإعلامية في وزارة الخارجية وصحيفة “الشرق” القطريتين) القول: “إن وسائل الإعلام تعكس صورة سيئة عن المرأة، خصوصاً ربة البيت، التي أصبحت تطلعاتها غير واقعية وسطحية، لأنها لا تبحث إلا عن الكماليات التي تروجها المجلات النسائية، وكأنها تصدر للنخبة الغنية التي لديها القدرة على شراء الملابس والديكور والماكياج. أما المرأة الكادحة البسيطة، فليس لها، أو الزوجة المثالية، والأم العربية الأصيلة، أي مساحة في تلك الصفحات”(15).

وإذا كانت المرأة الخليجية تدرك التجني الحاضر عليها فهي تحاول الدخول ضمن المعترك الإعلامي وتغيير الإنطباع الذي يعكسه الإعلام الحالي المغلوط عنها، لكن التسرب يستلزم الكثير من التصميم والمثابرة. تقول هدى الفهد، المذيعة في قنال دبي الفضائية: “إن مجتمعاتنا الخليجية متشابهة تماماً وللرجال، وليست للنساء وشبه مغلقة علينا، ولكن رغم هذا الإنغلاق، فنحن نحاول إيجاد ثغرة، بل ثغرات للخروج من شرنقة الرفض الإعلامي للمرأة”(16).

من ناحية أخرى، إن وجود وانتشار الفئة النسائية ضمن الأطر المتعددة للعمل لا تعني بالضرورة وضوح حضورها، فعادة ما تُقلص أدوارها وتُحدد مهامها وتكون بعيدة تماماً عن موقع اتخاذ القرار. حسب آخر الاحصاءات الرسمية الصادرة في نهاية عام 2001، تشغل النساء نسبة 63% من عدد المواطنين الإماراتيين العاملين في البنوك، بينما لا تحرزن أكثر من نسبة 14.1% في المواقع الإدارية العليا(17). وتتهم نجوى راشد، في مصرف سيتي بنك، الرجل الذي يبعد المرأة عن المراكز القيادية في القطاع المصرفي وتقول: “نعم، توجد حواجز من صنع الرجل، لكي لا تصل المرأة إلى موقع القرار، فهي محصورة في وظيفة غير مسموح لها بأن تتخطاها. وتحديد دورها معروف، قبل دخولها العمل، ولن تتعدى هذا الدور، ولن تحصل على الموقع القيادي الذي تستطيع من خلاله أن تبرز مهاراتها”(18). وفي المقابل يؤكد جمال الجسمي، نائب مدير معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية، على حق المرأة في تبوأ مناصب عليا ويؤيد مواقفها المطالبة بذلك ويقول: “إن النظرة السلبية من الرجل تجاه المرأة قائمة، وانه لا بد من الإعتراف بحق المرأة في الحصول على فرص متكافئة مع الرجل. فالمرأة في دولة الامارات، أثبتت أنها منتجة وتحقق الأرباح، واكتسحت ميادين كثيرة، وتمثل 80%، في موقع الإدارة الوسطى والدنيا في البنوك. وهذه المواقع هي التي تحقق أرباحاً للمصارف، فالعميل عندما يذهب إلى أي مصرف يتعامل مع الطبقة الوسطى، التي تشغل المرأة النسبة الأعلى فيها”(19).

عندما نصل إلى موضوع الربح والخسارة يقودنا ذلك إلى تأثير العولمة على المرأة الخليجية الذي يُقيّم إنسانية المرأة وحقوقها بحسب المردود المادي لاستخدامها. إن كون المرأة تمر بفترات حمل ورضاعة وحضانة طفل تستدعي غيابها عن العمل، غالباً ما يجعل شركات القطاع الخاص تركز على تجنب توظيف المرأة المتزوجة أو الشابة في سن الزواج، وتؤكد في عقود التوظيف على إلتزام المرأة بعدم الإنجاب خلال عام أو أكثر من بدء العمل.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل الرجال هم فقط من يؤطرن النساء ضمن تابوهات وحسب رؤيتهم الخاصة للمرأة؟ أم أن المرأة ذاتها لها مساهمتها في تثبيت هذا الإطار أيضا؟

في الحقيقة كثيراً ما تكون المرأة ذاتها ضد بنات جنسها، وبذلك تلعب دوراً مؤثراً ضمن الأسباب السابقة التي تعرقل مسيرتها وطموحها. هناك العديد من المواطنات الخليجيات غير مقتنعات بالحداثة التي تقلب الموازين رأساً على عقب وتخلخل الأدوار التقليدية الموروثة للرجل والمرأة.

في البحرين مثلاً، وبعد فشل جميع النساء المرشحات للمجالس البلدية بأي مقعد، إنتقدت المرشحات كوادر الجمعيات النسائية البحرانية لوقفتهن السلبية تجاههن ومناصرتهن للمرشحين الرجال. فرغم أن نسبة الناخبات من الإناث بلغت في بعض الدوائر 65% من مجموع الناخبين، (كما أن أكبر النساء الناخبات كان عمرها 102 عاماً، بينما كانت أعمار أكبر الرجال الناخبين 101 عاماً)، لم تساعد الأعداد الإنتخابية الكبيرة للنساء في نجاح أية مرشحة. تصف أمل شريدة ما حدث بأنه “إنتكاسة حضارية في عهد سارت فيه المملكة نحو الديمقراطية والشفافية والتكافؤ بخطى ثابتة عرقلها رفض المجتمع انضمام المرأة للركب التقدمي”. وتضيف: “لقد غمرني شعور بالفرح يوم الإنتخابات عندما رأيت جيوشاً من النساء تحتشد على مراكز الإقتراع، ولم أتوقع أنها في الوقت نفسه أتت لتثبت عدم ثقتها بأختها المرأة”(20).

تنشأ البنات في غالبية المجتمعات الخليجية خلال مراحل الطفولة والمراهقة في جو حريمي منفصل عن الرجال داخل وخارج المنزل. وتبدأ تجربتهن الأولى للتفاعل في الجو المختلط بعد الإنتهاء من الدراسة. وبطبيعة الحال لا تكن الفتيات مهيئات تماماً للإنطلاق في أجواء العمل التي يسودها الرجال. إضافة لذلك، غالباً ما تكون خبرتهن الحياتية في التفاعل ضمن المجتمع المختلط محدودة وذات أفق محصور. وعادة ما تكون نظرية ومن خلال الإعلام المرئي أو المسموع أو المقروء. وإذا مافُتحت أمامهنّ السبل للإنطلاق فهن يشعرن ضمنياً بفروق بين أهليتهن وأهلية الرجل الذي فُسِحَ له المجال للدخول في معترك الحياة منذ نعومة أظفاره. رغم ذلك فهن غالباً ما تثابرن وتتحدين الظروف الصعبة لإثبات كفاءاتهن، وريثما تتعدين هذه المرحلة تبدأ معاناتهن مع تناقضات تطويقهن ولا تنتهي. فالمرأة في الخليج مطالبة بجملة من الواجبات التي تخنق إمكاناتها للتطور في عملها وإبداعها. وهي إن عبرت عن سخطها وعدم تقبلها للمنظومة السلفية المرسومة لها يتهمونها بالشذوذز وإن شرعت بطريقها المختلف يتهمونها بالتمرد، وإن ناقشت بحقها كإنسانة يصمونها بتقمص الرؤى الغربية، ويكيلون لها شتى الصفات من تعقيد وعنوسة ودمامة وإسترجال. وهكذا إلى آخره من الأوصاف الجاهزة التي تمس بالمرأة مهما تصرفت.

لكن على المستوى الرسمي، تبدو الظواهر مختلفة. ففي احتفال أقيم في كلية دبي التقنية بتخريج 388 طالبة، قالت الشيخة هند بنت مكتوم: “إن طموحات المرأة الإماراتية كبيرة بعد الدعم غير المحدود من صاحب السمو رئيس الدولة وإخوانه الشيوخ، ومن هذا المنطلق تتطلع المرأة إلى توسيع دائرة المشاركة السياسية”، وتضيف: “إن أكبر إستثمار للمال هو استثماره في بناء أجيال من المتعلمين والمثقفين، لذلك حرصت دولة الإمارات بحكامها وقيادييها على إيجاد مناخ تشجيعي لتحفيز المرأة الإماراتية على تبني دور واضح في المجالات التعليمية والعملية والإسهام في عجلة التنمية الحضارية في الدولة، وأثبتت المرأة أنها طاقة خلاقة في دولتنا الفتية”(21).

لقد أطلقت النساء العربيات المشاركات من 20 دولة في منتدى المرأة العربية الذي عقد في الكويت بتاريخ 27»4»2002 رسالة صريحة إلى الرجال، أصحاب القرار، تتضمن دعوى للتغيير، تحت شعار:

“لا للتفريق في المعاملة، وحان وقت المساواة، وإزالة الفجوات بيننا وبينكم، وعليكم أن تغيروا نظرتكم إلينا”(22) فهل تصبح القوانين التي تتيح للمرأة في الخليج الإرتقاء بالعلم والعمل قناعات شعبية طبيعية؟ وهل تنتقل المقولات والأفكار إلى حيز التطبيق الفعلي؟. نأمل أن تتابع المرأة الخليجية مسيرتها إلى الأمام بذات الوتيرة التي تقدمت فيها خلال السنوات القليلة الماضية.


الفصل الرابع

في المرأة والأسرة ـ قراءة نفسية

د. فيوليت داغر(*)

لكنّ... أمي، أختي، ابنتي وصديقتي

ولكم، زوجي، أخي وصديقي

ووددت أن أضيف أبي الذي كان

وابني الذي لم يكن

أهدي هذه الأوراق

التي هي جزء هام من ذاتي

– – –

تقديم:

منذ نشأتها تحمل المرأة في لاوعيها مخلفات الوضع الذي عاشته بنات جنسها خلال دهور، بما تركه ذلك من آثار على صورتها عن نفسها ورغبتها في محاربة الوضع التمييزي ضدها. من المؤكد أنها لم تكن على مر التاريخ مسحوقة أو ضعيفة. فمن النظريات ما يقول بوجود عصر كانت السلطة فيه للنساء وكانت الآلهات عديدات. وحتى خلال عصر الرجل توجد نماذج كثيرة لأسماء نسائية لمعت وأثبتت أن المرأة لعبت بجدارة كل الأدوار. لكن من نتائج المنظومة البطريركية، التي استقرت شيئا فشيئا ومكّنت الرجل من وضعه، أن نزعت حقوق المرأة وهيبتها وحددت حريتها الجنسية وقوننت قدرتها على الإنجاب داخل مؤسسة الزواج. كما أن الميراث لم يعد ينتقل للمرأة وإنما بين الرجال. لقد أصبحت ملكاً لأبيها ثم لزوجها بالإمكان بيعها وسبيها والتبادل بها واقتناء ما أمكن منها. هي تنجب الأطفال وتلتزم نطاق المنزل وزوجها يذهب خارجه يحارب ويعيل أسرته و”يضع مولوده” من رأسه أو كد يده حيث لا يمكنه من رحمه ويستمتع بوقته.

فالرجل في منطق هذه المنظومة صورة الإله على الأرض، وعلى المرأة أن تعبده وتتفنن في إرضائه كي لا يشيح عنها أو يستبدلها بأخرى. إنها السيدة والجارية بآن، وهي المسؤولة عن سعادته وتعاسته بكل الأحوال. هو يحبها، لكن يخافها ويحتقرها كونها تجسّد الخطيئة والشر المطلق. لذلك وكلما أمكن، عليها أن تخفي محاسنها بلباس يغطي شعرها ووجهها وجسدها وكل ما يمكن أن يظهر منها كي لا توقعه في الخطيئة. إنه مضطر لها كي يكون له ذريته ومن يشكل امتدادا له ويحمل اسمه ويأخذ ميراثه، لكن هذا لا يتحمله إلا بوضع مسافة معها. يذهب الأمر في بعض المجتمعات لحد الفصل وحتى العزل الكامل بين الجنسين. كما ويجبر المرأة على التزام نطاق المنزل تحت أي مبرر وسد أبواب العمل أمامها وتأكيد دونيتها وقصورها دونما هوادة. بكل الأحوال للعنف تجاهها أشكال عديدة، تتكثف تعبيراتها في المجتمعات التقليدية المحافظة ومنها الخليجية.

يمكن للرجل أن يبرر ساديته وعدم شعوره بالذنب تجاه المرأة بأنها هي المسؤولة كونها بنظره مازوشية وتستمرئ المعاملة القاسية. الصورة النمطية عنها تبيح له إسقاط ما بداخله عليها. وهو إن خانها فليس في فعله ما يستحق التأنيب والعقاب، وفي غالب الأحيان لا يعامل بنفس الطريقة القاسية المتبعة معها. أما هي فعليها أن تسكت على زلاته وتطيعه في ما يبغي وتقبل، معها أو بدونها، بغيرها له. خاصة إن لم تكن في وضع يؤمن توازنها الاقتصادي، حيث تضطر لمقايضة انتهاك حقوقها بالحفاظ على أولادها ووضعها الأسري. والطامة الكبرى عندما يصل بها تحدي وضعها للبحث عن نفسها في تصرف أو علاقة خارج ملكوته وإرادته. فعندما لا يباح قتلها “لغسل العار”، ترجم أو تطلق. فهي ليست ملك نفسها لتفعل ما يحلو لها وعليها أن تبقى أسيرته ليرضى عنها ويطمئن لها.

ما يعقد الوضع هو أن صورته عنها تحمل المتناقضات والأضداد: الحب والكره، الحياة والموت، الخير والشر، النجاح والفشل، السيطرة والخضوع، العطف والنقمة. هو يريد أن يتحرر منها وبالوقت نفسه يتكوم في كنفها. وعندما تخرج عن طاعته، كونها في نظر نفسها ليست ملك يمينه يتصرف بها كما يطيب له، تغدو في نظره مخيفة وشريرة. لكن في قرارة نفسه يطالبها في أحيان أخرى أن تكون المبادرة والمحرضة، على شرط أن يبقى ظاهريا الآمر الناهي، لتحفز غرائزه وتدعه يمتلكها لحظة لإشباع شهواته. فحاجتها للحماية الاجتماعية جعلها تضعه في مصاف لم يكن فيه لو كانت أكثر تحرراً وتحقيقا لذاتها. وكي لا تتحول حياتها لمعركة مفتوحة ولا تخسر نفسها، عليها أن تصمت وتغش. أن تمر بمرحلة مخاض قاسية لتتعلم كيف تتلون بحيث تنسجم مع محيطها ووضعها وصورتها لديه.

الخوف من الآخر:

يتعامل كل مع وجوده انطلاقاً من شخصيته وتربيته وظروفه ومستوى وعيه وقناعاته ومدى تبنيه أو تأقلمه مع نموذج ثقافة مجتمعه ومحددات هامة أخرى. فعملية البناء تحتاج بآن لشيء من الاستقرار كما للتجديد واكتشاف آفاق مجهولة. إنها تفترض القدرة على التشكيك وطرح الأسئلة والنقد الذاتي بما يساهم بالانفتاح على فضاءات أخرى تدعم عملية البناء هذه وتحرر من سجن الماضي. هذا السجن الذي يبقى بالمرصاد ويعبر عن نفسه في سلوكات غريزية أو لاعقلانية تسيطر على المرء وتقيد حركته، بما يبدو له ولغيره غير منسجم مع مواقفه الفكرية أو ما يعبر عنه بالكلام. ذلك أن التواصل مع الآخرين يمر عبر عدة قنوات ولا يقتصر فقط على اللغة ورموزها. سلوكات الرجل والمرأة حيال بعضهما تنطلق من الصورة التي يكونها كل طرف في ذهنه عن الآخر والتي يحب أن يجد نفسه فيها والتي لا تكون بالضرورة مطابقة لواقعه. مما يستتبعه اصطدامات تكون أحياناً مؤلمة بين الصورة والواقع.

ليس الاختلاف بين الجنسين هو الذي يولد التمييز الجنسي وهيمنة الأقوى على الأضعف. بل إنه الخوف من هذا الاختلاف ومن الفروقات التي يمكن أن تفهم كتهديد للذات. مما يجعل الآخر في علاقة شك وعدائية لحماية النفس والدفاع عن الوجود. هذه النفس التي تسقط على مرآته ما فيها من مشاعر سلبية لا تقبلها، وذلك في عملية لا واعية قد تكون تدميرية للآخر وللذات.

لا تختلف النعوت التي توصف بها المرأة عن تلك التي تطلق على سبيل المثال على المهاجر، أكان ذلك في مجتمعاتنا العربية أم في أي مكان آخر. أليس الآخر هو مصدر الخطر، حامل الأمراض، ذو النزعات الجنسية الفتاكة، همجي الطباع، غريب الشكل؟ كم من جرائم القتل أو الأعمال المشينة ارتكبت بحقه وطالت فصيلته خاصة خلال فترات الأزمات الاقتصادية أو الحروب؟ إلى أي حد يمكن أن نتعرف ونعترف بهذا الخوف وهذه العدوانية لنتحكم بها دون أن ننقاد لها كالضحية إلى المقصلة؟

في المجتمع السلطوي يغيّب القوي من هو في موقع أضعف منه أو يطوعه لرغباته. ثم تبدأ الضحية بالبحث عن مخرج للانتقام من وضعها بما فيه تقليد القوي واحتقار الذات ومن يشبهها. لكن عندما ينتصر الرجل على المرأة ويجعلها في وضع دوني يرتاح له، يكون ليس فقط قد قتل شيئاً هاماً فيها وإنما أيضاً المرأة التي في ذاته والتي من صفاتها الرقة والحساسية. فالرجل القاسي الطباع معها يريد أن يؤكد لأمه أنه أقوى من أن يدعها تلتهمه بحبها. لكن طالما أنه يشعر بالحاجة لتأكيد ذلك، طالما تبقى مشكلته معها قائمة حتى ولو أوهم نفسه وأظهر عكس ذلك. هذا الرجل هو أقرب ما يكون للانهيار والمرض عندما تهزه عاصفة. ولا يغشن مظهره الفظ وتظاهره بالثقة بالنفس، فهذا ليس سوى القشرة الخارجية التي تغلف لبه الهش.

تنطلق الرغبة بالمبارزة والتفوق من شعور بالنقص ومن الحاجة للبحث عن تعويض له. وقد تعترض تحقيقها عدم رغبة الآخر في تقديم هذا الشيء المرغوب. مما يولد التوتر والصراع والعدوانية. فالذي يبتغي السيطرة يمكن أن يزيل من الوجود من يعترض طريقه. ليس بالضرورة بقتله فعليا وإنما رمزياً غالب الأحيان. الغاية لديه تبرر الواسطة. وهذا أكثر ما يظهر جلياً عند الذين يتربعون في سدة الحكم حيث يعملون على تغييب من يقف في طريقهم إليه. لكن الحكمة في تحقيق الذات تفرض إيجاد توازن بين قطبي الأنوثة والرجولة، بحيث لا يمكن لقطب أن يمتلئ بالحياة عندما يكون على حساب قمع الآخر.

خلال هذه الصيرورة تبرز الخطوات متعثرة، بما يترجم الصراع الداخلي ويؤدي للقنوط. والكثير من لا يفلح في النهوض والانتصار على الذات. هناك، حسب علماء النفس، توازنات يتأقلم معها المرء حتى عندما تكون ضارة بالنفس. إن فيها فائدة ما، وإلا لما كان هناك من مقاومة للتغيير لا واعية عند الذين يطالبون بالتغيير. ثم أن كلفة التغيير قد تكون عالية، بما يثني المرأة عن النضال للحصول على حقوقها والرجل عن التخلي عن بعض مكتسباته.

لكن المرأة التي لم يعد بمستطاعها الامتثال لمشيئة الرجل (البعل) حاولت مراراً وتكراراً أن تتحرر منه. فكان كلما زاد قمعه زادت ثورتها، وكلما ثارت عليه ازداد خوفه منها ورغبته في السيطرة عليها. مشهد يتكرر خاصة في العلاقات الزوجية، بغض النظر عن كون الشريكين يتعايشان وأحيانا كثيرة يتحابان.

الحب يجمعهما:

صحيح أنه ليس بالحب وحده يحيا الإنسان، لكن في الالتقاء بالآخر حياة جديدة. حالة داخلية تجعل العالم المحيط أكثر فتنة بوجود الشخص المحبوب. قد يكون من الصعب أحياناً التعرف على حالة الحب هذه، لكن هناك ما يدلل على وجوده. كأن تحدث مثلا تغييرات في الجسم بمجرد التفكير بالعشيق والاطمئنان لوجوده حتى ولو كان بعيداً. فحسب بعضهم، الحب لا يدرك إلا بالبرهان عليه. في حين أن آخرين لا يرون حتى من دليل عليه وإنما مطالبات ببراهين على وجوده. فالرغبة بالآخر ليست دليلاً على الحب، حيث يمكن أن نحب دون أن يكون هناك رغبة موازية. كما ويمكن أن نحب شخصاً وفي الوقت نفسه نقدر على خيانته مع غيره.

في مطلق الأحوال، الحب حاجة للآخر حيث لا نقوى على التخلي عنه وإلا تخلينا عن التوازن الحيوي لدينا. إنه شئ يأتي من اللاوعي حسب المحللين النفسيين، ولا علاقة له بالمعرفة والعقل. لكن بعد اتقاده يأتي المنطق ليعطي معنى للحالة. يبقى أن من يحب حقيقة لا يستعمل الآخر أو ينتقص من قدره ويضعه في وضع لا يتمناه لنفسه. وإلا لا يسمى ذلك حباً وإنما منفعة أو مصلحة اقتصادية أو اجتماعية أو رضوخ لأعراف وتقاليد أو عقائد دينية.

أحياناً كثيرة يحتل الشريك مكانة الأم أو الأب ويلعب دور المثل الأعلى الذي يعزز الهوية ويكمل الشخصية ويسمح بالتجدد واكتشاف الذات. إنه يرمز بكل الأحوال لصورة آتية من اللاوعي، فيها ما هو سلبي وإيجابي وما لا ينطبق عليه وليس له فيه قرار أو تأثير. قد نخاطب هذا الرمز عندما نتحدث إلى الشريك بحيث لا يكون هو المعني الحقيقي بذلك، لكن يطلب منه أن يلعب كل الأدوار. عندما انتقيناه من بين الآخرين فلأننا وجدنا فيه شيئا يحاكي ما في لاوعينا من حاجة غير مدركة منا للبحث عنه. ربما يشبه من أحببنا في بداية حياتنا أو صورة مثالية نسجناها لهما وغالبا لها (الأم) قد لا تكون لها علاقة بها أو بهما فعليا.

نريده أن يكون نسخة طبق الأصل عن الذات أو أن يكمل هذه الذات أو يشبه ما نود أن نكون عليه. أن يعكس لنا صورتنا في مرآته، صورة إيجابية أو مثالية عن ذاتنا. بكل الأحوال، نتمسك به، نعمل ما بوسعنا للاحتفاظ به، نعلق آمالاً عليه، يصبح أحيانا الصديق والشقيق والطفل والوالدين بآن. ففي هذه العلاقة لا يوجد بالواقع اثنان فقط وإنما ستة على الأقل: هي وهو وأمها وأبيها وأمه وأبيه، وأحياناً أشخاص هامين آخرين كان لهم دور في طفولتهما. ولم لا، فحتى الحيوانات أظهرت التجارب التي أجريت عليها أنها تتعلق بمن تتعرف عليه عند ولادتها حتى ولو لم يكن من فصيلتها.

هناك من يشعر وكأنه يعرف الشخص الذي تعرف عليه، كمن التقاه في زمن آخر. ففي رأس كل منا حنين لوجه مثالي للحب الأول، نبحث عنه في عيون الآخرين. هذا الوجه الذي لا يفارقنا قد طبعنا به، لكن ليس فقط إيجاباً، بل وأحياناً سلباً بحيث نهرب منه. هذه الصورة تشعرنا بالطمأنينة، بأننا في مأمن من مكائد الحياة والأخطار المحدقة. حيث أن الطفل الذي يبقى حياً في داخلنا حتى النفس الأخير، يستفيق عند كل اهتزاز. لذلك نريد أن يكون هذا الآخر كامل الأوصاف ولا نقبل ما يظهره من ضعف عندما نعايشه ويظهر بوجهه العاري يوما بعد يوم. عليه أن يشغل المكان الذي وضعناه فيه قبل أن نلتقي به.

لكن هذه المرحلة الأولى في العلاقة لا تستمر طويلاً، بل تبدأ بالتبدل تحت ضربات الواقع المعاش. وحين يتحول الحب إلى مشاحنات وأحياناً بغضاء، قد ترتد العدوانية على الذات كما ارتدت على الآخر. فهو قد بات جزءاً هاماً من هذه الذات ومن الهوية الشخصية.

أما الوله، فهو درجة قصوى لما أسلفنا تمنح العشاق جناحين للتحليق في عالم فيه الكثير من نسج الخيال. إنه يخيف البعض الذي يهرب من ذاته ويخشى خسارة شئ منها في تضاريس هذا الآخر. هو لا يتبع نفس مراحل الحب لأنه عاصف ومفاجئ يستحوذ على التفكير ويعمل كالصدمة التي تجعل الولهان يعيش كمن على كوكب آخر لا علاقة له بالزمان والمكان. كأنما هذه الحظية نسخة طبق الأصل عن الذات أو الصورة المثلى لها وتجسيد للخالق.

في حالة الهيام، يبقى الانسجام الفكري والجسدي كلي إلى أن تعترضه أول عقبة، حيث يبدأ الإحباط وفقدان الأوهام. وقد تكون الاستفاقة من حالة شبه الغيبوبة هذه صعبة الاحتمال. كما يمكن أن تؤدي لعواقب وخيمة كمحاولة الانتحار، حيث لم يعد هناك ما يعوض الفراغ الذي تركه فقدان المحبوب. في كل الأحوال هناك فترة من الحداد على هذا الآخر بصورته التي دخلت الذات. هذه الذات التي تحتاج لوقت لتتأقلم مع المتغيرات وتسترجع توازنها المفقود.

بالحب ترتفع المرأة وتصبح مساوية للرجل بدل أن تكون عبدته. لكن كم من الوقت يستمر الحب والهيام بين رجل وامرأة؟ قصص الحب لا بد أن تؤدي بعد وقت للإحباط الذي يستتبعه أخذ مسافة من الآخر. وقد تبقى المودة وشئ آخر يكفي لإكمال الطريق. إنه العمل على رؤية الواقع كما هو ليحل مكان الحلم. فتخيل الآخر حسب نوازعنا وحاجاتنا شيء، والقبول به كما هو شيء آخر. بداية العلاقة الحقيقية هي عندما يتم الانتقال للمرحلة هذه. عندما يعود الواقع لاحتلال مساحته اللازمة على حساب الرغبة.

ما يفرقهما..

تجتاز العلاقة مراحل متعددة تختلف مدتها ونوعيتها باختلاف الشريكين. يرى مختصون نفسيون، أنها إجمالا ست، تراوح بين: الذوبان بالآخر، إلى الشعور بالاختلاف والتمسك كل بهويته، ثم الرغبة بالتعرف على شئ آخر بمعزل عن الشريك ـ بما فيه علاقة خارجية، إلى التقارب من جديد بالآخر على أسس واضحة والاغتناء من العلاقة معه. أخيراً، إلى الشراكة بمشروع والاهتمام بتطور الآخر، وصولا لخلق أشياء معا كفريق عمل يكون فيها نفع للغير. فعندما تستمر العلاقة رغم العواصف التي تجتاحها ستكون بالتأكيد مثمرة للشريكين. باستثناء أن يكون البقاء قسرياً بحكم الظروف الاجتماعية أو مسؤولية الأسرة أو التقاليد أو الدين أو ما شاكل ذلك. مما لا يترك حرية الخيار للشريكين وخاصة المرأة التي تعاني بحكم دونيتها من الاختناق وضياع الهوية وفقدان الحرية. فيعيشان كغريبين يتقاطعان دون أن يلتقيا، العنف قاسمهما المشترك يدفع ثمنه كل أفراد الخلية الأسرية ومنهم بالأخص صغار السن.

أن تحصل أزمات بين الشريكين شئ لا مفر منه عندما لا يكون الفراق هو المخرج. والمشاحنات قد يعود سببها لما لا يقال أكثر منه لما يتم التعبير عنه ولو بعنف. فالصراع يدور غالبا لفرض وجهة نظر الواحد على الآخر، للتعبير عن عواطف أو إخفائها، لتأكيد الهوية وعدم فقدان تقدير الآخر. بحيث لا يتم تبادل وجهات النظر وإنما عراك يتمسك فيه كل طرف بوجهة نظره. يدافع عنها كأنه متهم سلفا أو كأنه وحده من يملك الحقيقة أو من يعرف مسبقا وجهة نظر الآخر التي هي حكما الأسوأ. بالتالي، هما لا يستمعان لبعضهما ولما يقوله الآخر، بل يتبادلان الاتهامات ويعمدان لرد الكيل كيلين. فاتهما أنهما تغيرا مع الوقت والتجارب وأنه كان عليهما الاستماع لبعضهما ليكتشف كل منهما الآخر كما أصبح. هذه الخلافات ترافقها مشاعر وعواطف جياشة من الحزن والغضب والشعور بالخزي. لكن يحاول الشركاء إخفاءها أحياناً خوفاً من الظهور بمظهر الضعيف. وهي لو تم التعرف عليها وشرحها للآخر لعرف كيف يتعامل معها بعقله ولما اضطر ربما أن يحتمي منها بردها للآخر.

السبب الأول في الخلافات هو الفروقات بين المرأة والرجل. فهما علاوة على أنهما شخصان مختلفان، ليسا من نفس الجنس ولا يمكن بالتالي أن يتشابها. التخاطب يبقى المصدر الكبير للخلاف. والاثنان لا يملكان نفس المفاهيم والرؤية للحب ولا نفس الرموز المسلكية أو اللغوية للتعبير عنه. غالبا تتكلم المرأة أكثر من الرجل كونها تفكر بصوت عال. وعندما يصمت هو تعتبر هي أن ذلك قلة اهتمام بما تقوله. في حين أن في ذلك ربما دليل على الحاجة للتفكير قبل التعبير عن الرأي. كذلك تعبر المرأة عاطفيا عن مواقفها من الأحداث وتقيّم الأشياء بمشاعرها، في حين يعمد هو لنقل الخبر موضوعياً. ثم يغدق النصائح أو يحاسبها ولا يعرف كيف يصغي لها.

لتفريغ شحنات الغضب والكآبة تحتاج هي أن تجد أذناً صاغية واعترافاً بمشروعية مشاعرها وأيضاً المساعدة. لكنه عندما ينبري لتفنيد ما تقول مقللاً من أهميته، وأحياناً للتخفيف عنها أو لاقتراح الحلول، يمكن لذلك أن يصعّد من التوتر لديها والشعور بعدم التفهم وبالوحدة. خاصة عندما يعتبر أنها بشكواها كشفت للملأ أسرارهما. فيحاسبها بقسوة على ذلك ولا يفترض أنها عندما أجبرت على الكلام، هي أيضا فقدت شيئا من اعتبارها لنفسها. لقد كانت تفضل الاحتفاظ بمكنونات صدرها لو لم يضطرها لذلك.

وفي حين تنتظر هي أن يحذر عليها ما تريد منه، لا يملك هو سوى الإجابة على أشياء محددة. فالمرأة تعتقد أنه من علامات الحب قراءة رغباتها دون التعبير عنها كي لا تضع نفسها في وضعية المطالب. فهي حينما تشعر بأحاسيسها برغبات الرجل تنتظر منه أن يفعل بالمثل. وعندما يكون مزاجها مواتياً تعطي من الحب والاهتمام الكثير وتغدق دون حساب. لكن عندما ينخفض لا تقوى على الشيء الكثير، بل تحتاج لمن يعطيها ويؤازرها ويقدم لها الحنان. شريكها يحتاج أن تشرح له بوضوح ما تريد. وفي حين تشعر هي بالحاجة للتوقف على حقيقة مشاعرهما من أجل التقييم والخروج بحلول وطرق جديدة في التعاطي مع أمور الحياة، يشعر هو كأنه افتقد حبها واستغنت عنه. كذلك عندما تحاول أن تدفع حياتهما للأفضل أو أن تطور شريكها بالتدخل بأشياء تخصه لتغييرها، يعتبر هو أنها تحاول السيطرة عليه أو إهانته ويريدها أن تقبله كما هو.

حسب مختصي الطب الجنسي، لا تستطيع المرأة كذلك أن تفصل بين ما يحصل في جسدها وفي رأسها، في حين أن ذلك ممكن عند الرجل. فلكي تهب جسدها له يجب أن يمر ذلك عبر رأسها. وهي لا تتخلص من مشاكلها على الوسادة بسهولة كما يمكنه هو أن يفعل. لكن كي تتفتح شهوة الرجل يجب أن تبان الرغبة عند شريكته، حيث أن امرأة غير مبالية بالوصال لا يمكن أن تتمتع أو أن تمتع. وإن كان هو يغلّب حاسة النظر، فهي تغلّب السمع واللمس. إنها بحاجة لسماع كلماته الرقيقة والإحساس بلمساته تداعبها. مما يشعرها بأنه يريدها هي بالذات وليس أية امرأة. عند ذلك يمكن أن تتحرك رغباتها. ثم إن ما يحركها ليس العلاقة الجنسية بحد ذاتها وإنما ما يرافقها من جو وما تعطى من وقت. أضف لذلك أنه بفعل اختلاف هرموناتها خلال الشهر تتغير رغباتها ومزاجيتها ولا تستقر بمستوى واحد. في حين أن رغباته هو تبقى بنفس المستوى بفعل الهرمون الذكري الذي لا يتغير. ويبدو أن ارتفاع هذا الهرمون لدرجة ما مسؤول عن العنف والخيانة والطلاق.

أحياناً كثيرة ما يكون البحث عن اللذة بين الشريكين على حساب المرأة. ففي حين تبحث هي عن نوعية العلاقة مع الرجل يريد هو أن يتأكد من قدراته، وقد يعوض نقص العاطفة بزيادة الكمية. لكن الانسجام يفترض أخذ رغبات الآخر بعين الاعتبار. وإلا من يرفض يمكن أن يفهم كبارد والمرفوض يشعر بأنه غير مرغوب. خاصة عندما تخضع هي لرغبته هو حتى ولو ليس لديها من رغبة أو لم يعرف كيف يحركها.

الصمت ضار والكلام مفيد لمعرفة الآخر وما يريد أو لا يحب. هناك من يخبئ غضبه وشكواه، وغالباً ما يكون الرجل. هذا التصرف ليس صحياً، حيث من الأجدى شرح أسباب الرفض والتغلب على الشعور بالعيب والحرج كي لا يتحول سوء الفهم لنزاع. لكن الصمت للأسف كبير حول هذا الموضوع بسبب التربية المشبعة بالمحرمات والاعتقادات الخاطئة والخوف من الآخر وما سيفكر به. ومن المؤكد أن الرغبة بالآخر لا تتعايش مع الامتلاك وغياب الحرية والتبعية وعدم تخصيص الوقت الكافي لذلك. فالمرأة تحتاج لوقت لتستفيق رغباتها، وكل شئ يؤثر على هذه من مشاكل الحياة اليومية والغضب والحزن. كذلك صورتها السلبية عن نفسها وعن جسدها تؤثر على تعاطيها مع حياتها الخاصة. والسلبية عندما تعشعش تحول الرغبة لبرود أو أي شئ آخر يقف حائلا في وجه الانسجام.

الاختلاف لا يعني انعدام الحب، حيث بقدر ما يوجد من روابط بين الشريكين يكون الغضب عارما. لكن قد يفهمه الآخر وكأنه تهديد بقطع العلاقة. وهذا ما يحصل فعلا عندما لا يتسنى للمرء التعبير بشكل صحي عما يعتمل في صدره. فالمشكلة تكمن في أن شريكه بدلا من الاستماع له يلجأ اتوماتيكيا لتبرير نفسه مما يعتبره اتهاماً له. والأنكى من ذلك هو عندما يخفف من أهمية ما يعبر عنه ولا يأخذ آلامه على محمل الجد وبالقدر الذي يستحق.

الجرح النرجسي لا يلتئم إلا بتصرفات تصلح رمزياً ما أفسد وبإظهار الرغبة الجدية بالإصلاح والأسف على ما حصل. أما عندما يبقى مصدر الألم قائما يبقى الجرح نازفا ويتكرر العراك والأزمات، حتى عند تقييم الوضع وإظهار الأسف. إصلاح الوضع يفترض أخذ رغبات الآخر على محمل الجد وليس تغليب رغبات الذات لحجة أو لأخرى لا يراها منطقية إلا صاحبها.

هناك من تقوم علاقتهما على لعب أحدهما دور معالج للآخر بحيث يشعره بتفوقه عليه وحاجته له. هذا النوع من العلاقة لا يستمر طويلاً لأن الإنسان يتغير مع الزمن ولا يقبل الاستمرار في وضعية الأضعف. لكن الأقوى لا يرتاح لهذا التغيير حيث يخاف من انتقال شريكه لموقع يبارزه ويستغني عن خدماته. هناك أيضا من يتعاظم قلقه أمام المشاكل التي يعتبر أنها مؤشر لنهاية العلاقة، بحيث يدعها تتداعى ظنا منه أنه أسقط في يده. إنه القضاء والقدر بنظر البعض الذين يستسلمون للسلبية وعدم المواجهة. خاصة وأن في المجتمعات العربية إقبال على الغيبيات وكثير من التحفظ على استشارة أخصائيين نفسيين. بما يجعل الكثير من التدخلات الخارجية الأخرى سلبية عندما لا تكون عديمة الجدوى.

السبب لا يقبع في عدم الرغبة في المساعدة وإنما في الإسقاط. الذي هو آلية دفاعية لاواعية تجعل أحياناً من الخلط بين ما يخص الذات وما يخص الغير مسألة اوتوماتيكية. في حين أن هناك تقنيات وخبرات لا بد منها للمساعدة في هذا النوع من الخلافات. هناك أيضاً من يتوصل لحل مشاكله بنفسه دون الحاجة لتدخل طرف ثالث. لكن ذلك يفترض مستوى عال من الوعي والحكمة والقدرة على النقد الذاتي والتحليل والرغبة بالإصلاح والقبول بالتنازل عن أشياء مقابل الحصول على أخرى.

عندما يكون أنا وأنت يساوي نحن، يفترض أن لا يقمع النحن الأنا. بل يدعها تتنفس بعدم التضييق عليها ومساعدتها على تأكيد هويتها وإيجاد توازنها. فتتعزز بذلك قدرة كل فرد على العيش ضمن أسرة منسجمة. الحق بالاختلاف قد لا يعيره البعض الاهتمام الذي يستحق أو يخافونه لأنه يسمح بالابتعاد والتفرد ويخفف من غلو السيطرة على الآخر. لكنه يمنح الهواء الضروري لتجديد العلاقة. فالحرية في التعاقد هي ما يغذي العلاقة ويرفدها بعوامل استمرارها. في حين أن الحرمان والتضحية بالرغبات الفردية من أجل الآخر غالباً ما يقود للضغينة والاختناق. وعندما لا تجد الانتظارية ما يعوضها أو جواباً مناسباً لها تنتهي للإحباط وعدم القدرة على الاستمرار في العطاء. أحياناً كثيرة ما يبقى الشريكان في وضع الانتظار ولا يرى أحدهما الخطوات التي قام بها الآخر تجاهه. وإن أدركها قد لا يعبر عن غبطته بها، في حين أن الكلفة المعنوية للقيام بذلك كانت كبيرة.

عندما يأتي الأولاد يبتعد الزوج عن زوجته التي تلتصق بهم بسبب وظيفتها الطبيعية، على الأقل في الفترة التالية للوضع، أو هرباً إليهم. ثم هناك من لا يعرف وضع الحدود بين ما يخص الحياة العائلية وحياة الشريكين، بحيث تحتل الأولى مساحة كبيرة على حساب الثانية. عندما يضاف هذا لتعداد الأولاد والعمل في الخارج واهتمامات أخرى، لا يبقى الشيء الكثير لكي تتجدد علاقتهما. لكي ترفد بما يوفره كل منهما للآخر من اهتمام وتخاطب ودفء ضروري لبناء الأسرة المتآلفة المنسجمة.

من الشركاء من ليس لديهما أو لم يعد لديهما مشروع حياة يجمعهما، بحيث تبدو الحياة في نظرهما غير مثيرة أو لا معنى لها. فيبدأ الانطواء على النفس أو الهرب لمشاريع أخرى لا تدعم الحياة المشتركة وإنما تكون على حسابها. عندما لا يعرفان كيف يجدا التوازن المطلوب تصبح حياتهما هرباً للأمام وخلاصاً فردياً لأحدهما أو كليهما. وأحيانا بسبب الشعور بالذنب أو الخوف من الوحدة أو من أجل العائلة قد يستمرا معا، لكن يعيش كل منهما وحيداً جنب الآخر وليس معه. يتحول الشريكان أحياناً لنوع من الأصدقاء حيث يفقدا مكانتهما السابقة بالنسبة لبعضهما. ويستمرا فقط بتأدية الأدوار المطلوبة منهما بغياب ما يشحن طاقتهما.

الغيرة..

مشكلة إضافية تعترض الشريكين وتعقد حياتهما هي الغيرة. والرجل ميال بطبيعته أكثر من المرأة للتعدد. ففي حين تحرص هي على الاستقرار وانتظام العلاقة، يعبر هو عن رغبته في التخلص من القيود وتوقه للحرية. أضف لذلك أن المجتمع التقليدي يبيح له ما يحرمها منه. ففي حين يغمض العين عن زلاته، ويل لها إن كانت هي سبب الخيانة حيث تصبح عاهرة. وقد يصل الأمر لقتلها كي لا تلطخ بالعار عائلتها. عليها أن تقبل بالأمر الواقع لتحتفظ بنوع من الاستقرار ولتبقى مع أولادها الذين غالباً ولعمر معين يتبعون أبيهم في حالة الطلاق. وإن رفضت معاناتها يمكن أن تتعرف على العزلة والنبذ الاجتماعي وأن تتحمل مسؤولية الأولاد دون معيل إن لم تكن تعمل.

لكن في حين أن المرأة تعيش أوضاعاً قاسية جداً في حالات كهذه، خاصة في بعض المجتمعات الأكثر تقليدية أو التي تبيح تعدد الزوجات، وصل الأمر بأختها في مجتمعات أو فئات أخرى أكثر انفتاحا أن تكون أكثر جرأة من السابق في هذا المضمار. ذلك انطلاقاً من مناداتها بالمساواة واعتقاداً منها أن هذا النوع من التجارب يسمح لها باكتشاف ذاتها وإنضاجها والمحافظة على توازنها النفسي من الاستلاب. فهي تتعلم كيف تمنح نفسها وتنسحب وتوزع وقتها بين كل الأدوار المطلوب أن تلعبها بحيث تجد توازنها المنشود.

الغيرة هي شعور طبيعي عند الجنسين، وكل ما يمكن فعله هو أن لا تصبح مدمرة عندما يشعر أحدهما وكأنه قد خدع واستبدل بآخر خارج العلاقة الزوجية. أو عندما يعتقد أنه عومل وكأنه غير موجود أو ناقص أو فاقد الاعتبار. والنساء لسن أكثر غيرة من الرجال، وإنما يظهرن مشاعرهن أكثر منهم. فهؤلاء ينفون تأثرهم بذلك إلى حين مواجهة الحقيقة. فيتخلون حينئذ عن لا مبالاتهم الشكلية وتظهر تأثيرات ذلك القوية أحيانا على سلوكهم. وحين لا تظهر فلأن آليات الدفاع قوية لا تسمح لها بذلك. لكنها تبقى فاعلة في اللاوعي بشكل أقوى بحيث تظهر كأنها لامبالاة غير طبيعية أو بروداً مؤذياً يحمل الكره ويخفي غيرة قاتلة. يركز الطرف المخدوع على فكرة لا تفارقه وهي أن الآخر لا يستحق ثقته وسيخدعه مهما فعل.

من مخزونات اللاوعي ما يأتي من الطفولة، من تلك الفترة عندما أقبل أخ أو أخت استأثر باهتمام والديه وخاصة أمه. هذه التجربة عندما لا تحل بشكل طبيعي تترك آثاراً سلبية على البناء النفسي تبقى فاعلة طوال العمر وقد تصبح مرضية. قد تنحرف لشكل من البارانويا الذي يمكن أن يقود لجريمة القتل وبكل الأحوال لرد فعل غريب وغير مبرر أو مفهوم.

غالباً ما يظهر هذا الوضع عند أولئك الذين لم تتح لهم علاقتهم بأمهم وهم أطفالاً التفرد الكافي. وحيث لم يمنحوا الحب لذاتهم وإنما عوملوا كدواء في علاقة مشوهة، لا يشعرون فيما بعد بأنهم يخدعون شريكتهم عندما يفعلون. فهم يشكون بحب الجنس الآخر لهم ولا يريدون أن تحتجزهم شريكتهم كما فعلت بهم أمهم التي عانوا الكثير ليتحرروا منها. كرد فعل على ذلك يحتاجون للتحكم بجسدهم ورغباتهم وليس الواجب الأخلاقي أو الزوجي ما يملي ذلك وإلا أظهروا عنفاً وشراسة. فالنرجسية الناقصة لا تتيح الثقة بمحبة الآخرين للذات التي تبقى بحاجة للتأكيد الدائم على المكانة عند الآخر.

الإخلاص للآخر يبقى حاجة عند الكثيرين وليس واجبا فقط تفرضه الأعراف. إنه ينطوي على تعلق عاطفي بهذا الآخر عندما لا يكون تبعية واستلاب له. هذه الحاجة غالبا ما تكون عند النساء، حيث بالحب ترتفع المرأة بنظر نفسها وبنظر الرجل. لكن عند البعض يمكن أن يفهم الحب ترفا، في حين أنه ضرورة ماسة، خاصة في بعض الظروف المكلفة نفسيا.

في كل الأحوال، اكتشاف الشريك للعلاقة المحظورة هذه تزعزع الثقة والروابط التي يمكن أن تنهار. فالشك بالآخر يصبح قاعدة انطلاقا من الجرح النرجسي المفتوح والآلام التي نتجت عنه والشعور بالمهانة وفقدان المكانة. وهذا ليس غريباً، حيث أن هذا الآخر كان قد أصبح جزءا من هذه الذات ومن الهوية. فكل ما يدخل في حياة الإنسان ويأخذ عاطفياً مكانته لديه يغدو جزءاً من صورته عن نفسه. فكيف بالأحرى ذلك الذي احتل مكانة هامة في حياته وربطته به علاقات متشابكة وقوية.

هذه العلاقة الخارجية قد تؤدي لافتراق الشريكين، كما يمكن أن تكون بالمقابل مناسبة لتقويم روابطهما على أسس جديدة. لقد كان من الأجدى الحفاظ عليه من الجرح النرجسي الذي ستسببه له المصارحة. خاصة عندما لا تحل العلاقة الظرفية محل القائمة وتبقى في حدود ضيقة. ثم أن هذه العلاقة قد تكون نافعة للطرفين بحيث تسمح بالتأكد من قوة الروابط. كما يمكن أن تتيح الاحتفاظ بمسافة ضرورية بين الشريكين لحماية كل طرف من الاستلاب وذوبان ذاته في الآخر.

الحياة المشتركة بين المرأة والرجل يمكن أن تقصر أو تطول وتدوم طوال العمر. لكنها بالتأكيد ليست خاضعة لحركة دائمة للأمام. فظروف الحياة تفترض تقهقرا في المسيرة يفقد التوازن. مما يضطر للبحث عنه من جديد بين متناقضات من الحب والكره، الصراحة والكذب، الخضوع لمبدأ الرغبة أو الواقع، للعقل أو الغرائز اللاوعية.

المرأة في الأسرة:

إذا كان الحب يبدو أمراً شخصياً، فالزواج يبقى مسألة اجتماعية تفترض جهداً متبادلاً وتنازلات بناء على دوافع من المشروع المشترك والتفاهم. وإذا كان الزواج غاية الفتاة تسعى لها بكل الوسائل خاصة في المجتمعات المحافظة، فالزوج قد لا يكون المبتغى عند تلك التي لم يتسن لها أن تختاره أو أن تتعرف به قبل ليلة زفافها. فالمفاجأة يمكن أن تكون مرّة المذاق والحياة المشتركة أكثر مرارة. مؤسسة الزواج تحول غالباً المرأة لمسلوبة الإرادة، مقهورة على أمرها، حيث لحصولها على الأمان تخسر حريتها. وحتى لو عملت وخرجت من المنزل، يبقى التوازن الأسري مسألة أساسية غالباً ما تضحي من أجله بعملها أو ترقيتها.

قد تستنتج المرأة المتزوجة أن شريكها مهما كان لين المراس لا يمكن أن يفهمها. فمن الأزواج من يريد أن يكون قريباً من امرأته ويساعدها، لكن عليه أن يتأقلم مع ما يناسب المعايير الاجتماعية التقليدية وليس مع ما يبغي. فالمجتمع يفترض منه أن لا يظهر قربه من زوجته كي لا يعتبر خاضعاً لها.

بعد أن بدأت المرأة تخرج من إطار المنزل لحقل العمل، بدأ الرجل يشعر بضرورة دخوله الميدان الذي كان حكرا عليها، المنزل وتربية الأبناء. لكن التوازن المنشود لم يحصل بعد، حيث يفترض ذلك اقترابا أكبر لكل منهما من القطب الآخر (المرأة من قطبها الرجولي والرجل من قطبه الأنثوي) من أجل التعرف على قيمه وعلى ما يعيشه كل منهما. لكن كم من الوقت سيمضي ليحصل هذا التقارب؟ وكم سيكلف هذا الانتقال لمرحلة متقدمة من الأزمات والانتكاسات والطاقات المهدورة؟

بكل الأحوال ليس للمرأة سوى الخضوع للوضع أو الثورة عليه. ثورة قد لا تتحكم بأشكالها، فتنتقم بوعي أو لاوعي لمعاناتها. تثأر لنفسها من زمن القهر الطويل باحتقاره وإضعاف ثقته بنفسه. كما يمكن أن تتلاعب به وتطوعه لمشيئتها. قد تقايض حريتها بالإبقاء على سجنها وتحويل وضعها فيه من ضحية إلى سجَانة. فالجلاد يقتبس سلوك من أنزل به العقاب عندما كان صغيرا ويثأر لضعفه آنذاك بالاقتصاص ممن يشعر بتهديده له فيحوله لضحية.

قد لا يهم المرأة قدر الرجل ومكانته بقدر ما تنتظر منه إظهار حبه ومشاعره بما يطمئنها إنها ليست للاستعمال أو الإشباع الجنسي. إنها بحاجة لما يشبع نرجسيتها ويعزز صورتها عن نفسها. وعندما يعرف كيف يفعل ذلك، تهبه الكثير وتسمح له بمطالبتها بأكثر. تنسى نفسها عند عتبة ملكوته ولا ترى نفسها إلا من خلاله. ومنهن من تتزوج رغباته وتتأقلم مع متطلباته وأهدافه ومشاريعه لتصبح جزءاً منه. لكن قد يتحول حبهما لسجن للطرفين، يحاول أحدهما الهرب منه ويكون غالباً الرجل. المرأة تعبر عن ثورتها بالصراخ والبكاء والاكتئاب. وقد لا تعرف كيف تتخلص من هذا السجن وربما لا تريد ذلك بسبب الأطفال أو المجتمع أو التبعية الاقتصادية أو غيره.

هذه المرأة الثائرة على وضعها يمكن أن تخيف من الصورة التي تقدمها. فهي تغدو شريرة ومسيطرة لأنها تنتزع حقوقها بيدها. والرجل ليس معتاداً بعد على وضع تكون الغلبة فيه للطرف الآخر. فيصبح أكثر تعنتاً وغيوراً على مصالحه وعلى علاقات القوة القائمة. ينسى أن الإنجاب يكسبها نضجاً وإحساساً بالمسؤولية كبيرين. كما وأن حسها بالعدالة قوي كونها ضحية ظلم لفترة تاريخية طويلة. وقد لا يقدّر أن من خصائصها الليونة والغيرية والعاطفية والنعومة والميل للسلام والصبر والقناعة، لو عرف كيف يتعامل معها. يفوته أن ردود الأفعال العنفية ليست بالضرورة عدائية وإنما أحياناً بهدف الدفاع عن النفس من الظلم والحيف الواقع عليها.

مكان الفراغ يحل الانتظار والشك والغيرة وتتحول العاطفة لشعور بالوحدة، والمحبوب لعدو، والتواصل لصراعات مدمرَة. لقد تحول الحب لجرح نرجسي نازف تنبت عليه أشواك الشر والمفاسد. وفي هذا الوضع هدم للذات وللآخر الذي أصبح جزءا من هذه الذات. عندما بحث الرجل في المرأة عن أمه أو خليلته، كان لا بد أن يصطدم بتلك التي تطالب بأن تكون مساوية له. فهل توقع ذلك أم أن التحطيم سيكون نهاية الملتقى؟ الصرح قد يهوى عندما يتحول الإله لطفل أناني، غير مبال.

عندما يكون الانفصال غير ممكن لسبب من الأسباب، يصبح تواصل الزوجين قعقعة تصم الآذان ولا يؤدي الحوار بينهما دوره البنّاء. فيمر زمن طويل يتبادلان خلاله الأدوار ويستمران بالدوران في حلقة مفرغة. تتصارع في أعماق كل منهما غريزتا الحياة والموت ويرحَل كل منهما شعوره بالمسؤولية والذنب على الآخر. الثمن بالتأكيد غالٍ جداً: مشاعر إحباط وإرهاق ووحدة وعزلة واضطهاد وذنب وتشتت وانعدام عدالة وغياب البهجة والاسترخاء وعدم القدرة على التفاعل مع الغير أو الاستمتاع باللحظة وضعف احترام النفس والتدمير الذاتي عبر المرض.

يخلق جو التوتر والصراعات المستشرية بين الزوجين قلق وكآبة وعدم ثقة بالنفس عند الأطفال. كما يترجم إلى أمراض وسلوكيات عنفية يساعد في تأزيمها قسوة الأهل على الأولاد بحجة تربيتهم. فقد اختلط في ذهن الطفل، الذي لم يتعلم بعد أن يميز بين المشاعر، الحب بالكره، غريزة الحياة والموت، الخير والشر. وهو سيحمل معاناته التي لم يتح له التعبير عنها بشكل صحيح إلى مرحلتي المراهقة والرشد. للانتقام من ذلك لن يتوانى عن قمع من هم أضعف منه (من الأبناء إلى الخدم والمرؤوسين وغيرهم) وإطلاق شحناته العنفية بإضفاء مواصفات إيجابية عليها. ومنهم من يجد طريقة للانتقام من والديه والتحرر من سلطتهما خاصة في مرحلة المراهقة التي تملك آلياتها الخاصة بها.

الأنكى من ذلك عندما يتشارك الزوجان في ذلك ضمن تراتبية وتوزيع أدوار لا تترك الفرصة للطفل بالشعور بحنان أو تفهم طرف منهما. كما يمكن استخدام الدين بما يؤدلج ويبرر للسلوكيات المنحرفة. بهذا ما يتيح للمكبوتات أن تنتقل من جيل إلى جيل دون كبير تغيير في المظاهر العنفية. أما عندما يتسلم شخص مشوه من هذا القبيل مقاليد الحكم أو أية سلطة فحدّث ولا حرج. الكل يدرك نوع الأنظمة التي تحتل الساحة وتسهم كل حسب مواصفاتها في إعمال معاول الهدم في هذه البشرية.

المرأة وأطفالها..

إذا كان في الأمومة ما يعوض للمرأة شيئا من إحباطاتها، يمكن أن تتحول هذه الإحباطات إلى نقمة على أطفالها الذين سيمتصونها مع الحليب الذي يرضعونه. فهي بلا وعيها تنتقم من أبيهم ومن حياتها معه، حتى عندما تضحي بنفسها ورغباتها لإشباع متطلباتهم. مما يحمّلهم عقدة الذنب طوال حياتهم تجاهها. فالطفل يفضل ألف مرة أن يكون له أماً تحقق نفسها وتشعر بالابتهاج معه ولو ليست بجواره طوال الوقت على أم مقهورة حبيسة وضعها تضحي بنفسها من أجله. ثم من النساء من لا يشعرن بغريزة الأمومة أو من لم يتلقين الحب والاهتمام الكافي ليعرفن كيف يكن أمهات ويهبن الحب لأولادهن عندما ينجبن.

على السؤال: هل غريزة الأمومة موجودة فعلا عند كل امرأة؟ من المختصين من يجيب بالنفي. ومنهم من يقول بأنها إن وجدت فهي لا تتفجر لحظة وضع الطفل. وهناك من يذهب لأبعد من ذلك بالقول أنها أسطورة تستخدمها السيطرة الذكورية لتعزيز موقعها. لتكون الأم هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن نوعية تعاملها مع طفلها. بكل الأحوال، مفهوم غريزة الأمومة يطالب الأم بأكثر من طاقتها ويشعرها بالذنب عندما لا تستنتج وجودها عندها كما تتصور. ثم أن غريزة الأمومة هذه أو الرغبة بالاعتناء بالمخلوقات الصغيرة، ليست بالضرورة بعلاقة بالهوية الجنسية. ومن حيث أنها ليست غريزة حيوانية، هي شئ قد نتعلمه.

الإنجاب لا يصنع العلاقة بين الأم وطفلها وإنما معايشته يومياً والعناية به. كما أن التكيف معه والاستجابة لحاجاته ليست مسألة سهلة حيث تحتاج لمهارات ورغبات وعواطف. فالأمهات لم تكن تعتني بالأطفال كفاية في العصور السابقة ولم يصبح ذلك ممكنا إلا في الأزمنة الحديثة، بعد أن انتهت المجتمعات من الصراع المرير من أجل الوجود. ستشعر الأم بالتأكيد بالذنب لو اعترتها مشاعر سلبية تجاه وليدها نتيجة عوامل طارئة لا تتحكم بها. أو لو لم تشعر بالاندفاع نحوه والقدرة على الاهتمام به والعطف عليه.

لكن لهذا الطفل صورة ما في مخيلتها نسجتها له قبل قدومه للحياة. هي مجبولة بعناصر روافدها عديدة وفيها ما ليس للأم علاقة مباشرة به. هذه الصورة قد لا تكون متطابقة مع الطفل الحقيقي الذي تكتشفه بين يديها بعد وضعه. منها أن يكون مثلا كما يحدث كثيراً، ابنة وليس ابناً كما رغبت. بكل الأحوال، تريد المرأة أن تكون أما ليس بسبب غريزة الأمومة وإنما لشيء آخر. قد يكون تقوية علاقتها بزوجها أو الاحتفاظ به أو لتعويض النقص العاطفي الذي لم تحصل عليه من أمها وأبيها. كذلك لأنها تعودت على هذه الفكرة منذ صغرها ولا ترى نفسها بغير ذلك. قد يكون مرده أيضاً لرغبتها اللا واعية منذ كانت طفلة بأن تحل محل أمها بالنسبة لأبيها وتمنحه طفلاً. احتمالات كثيرة ممكنة. وفي مطلق الأحوال الطفل هو امتداد نرجسي لها وشيء من حب الذات. مما يجعلنا ندرك أهمية مرحلة الالتصاق بالمولود والأشهر الأولى من حياته التي يمكنها أن تطبع كل ما تبقى منها.

هن وأخواتها..

باكراً خلال طفولتها تثور الفتاة على كونها امرأة وتشعر بأن عليها أن تتشبه بأبيها بدلاً من أمها. ثم شيئا فشيئا تعود لتقبل جسدها وكونها أنثى. فتهتم بإظهار جمالها وأنوثتها وتحاول أن تستقطب انتباه الرجال لها وأن تفرض نفسها عليهم. لكن بنفس الوقت تخاف منهم ومن اقترابهم منها. فالمرأة لا تعاني فقط من جرح ثقافي بسبب وضعها الدوني، وإنما أيضا من جرح شخصي. مرد ذلك لعلاقتها بأبيها ونظرته غير المكترثة لها التي لم تعزز نرجسيتها وصورتها عن نفسها. لقد اقتبست منه حبها للسلطة والسيطرة ورفضها للرجل المسيطر. لتخفي ضعفها تحاول أن تفرض نفسها على الرجال بالاهتمام بشكلها عندما لا يكون التعويض كافيا بعملها أو علمها وذكائها.

مما يفسر لجوء الكثيرات منهن للمظهر أكثر من الاهتمام بالجوهر وتدعيم الثقافة والميزات التي تتعلق بالروح والقلب. يشجّعهن في ذلك شركات التجميل والماكياج والإعلان والموضة وعبادة الجمال. أي تكريس صورة نمطية للأنثى تجعلها تصبو لها بالاهتمام بشكلها والمبالغة به أحياناً. إنها تحب الجمال كأي كائن. لكن المغالاة تنم عن شئ آخر، غالباً ما يكون الفراغ الداخلي الذي يجعلها تبحث عن ملئه بلفت الأنظار لها وتركيز الاهتمام بها بإفراط. بذلك ما يغذي نرجسيتها ويشعرها بالتطابق مع الصورة التي يرسمها لها المجتمع الرجالي.

مع نشوء الدولة والتقسيم الطبقي بدأ الجمال والتبرج يأخذ حيزاً هاماً ليميز المرأة الغنية عن الفقيرة. وإن كان جمال المرأة قد احتل مكانة هامة منذ أكثر من خمسة قرون، فهو لم يعرف ما عرفه في هذا المضمار القرن العشرين. ذلك عبر الصحافة والدعاية والسينما وكليشهات النجوم وعارضات الأزياء وبوصوله لكل فئات المجتمع. وراء ذلك كانت بالتأكيد الحاجة لزيادة الإنتاج وتصريف البضائع العائدة لتجارة الجمال، بما فيها ما يتعلق بالغذاء الصحي والرياضة. لكن الجمال ـ السلعة لخدمة صناعة وتجارة تدر الربح لم يعد يقتصر على المرأة، بل بدأ يهم الرجل أيضاً.

بمعزل عن الاهتمام بالجمال وحب الظهور ولفت الأنظار إليها، تتربى البنت على الكذب. فمع الوقت ووعيها لعلاقات الهيمنة بين الجنسين تتعلم أن تجامل وتراوغ. عليها أن تتطابق مع الصورة النمطية التي يرسمها لها الآخر والتي قد لا تعكس وضعها الحقيقي. مما يعني تدمير مشاعرها وحبها للحياة والمغامرة لتصبح امرأة مقبولة وأما مثالية وخادمة لأولادها وزوجها. عليها أن تتجاهل رغباتها وتضحي بتطورها كونها لن تكن امرأة كاملة إن لم تكن أماً. وحتى لو كانت أمها ثائرة على أوضاع المرأة فهي ستقف لها بالمرصاد لتمنعها من تغيير المعادلة ولتزوجها باكراً. كونها تخاف من حكم المجتمع وتوجيه أصابع الاتهام لها كمسؤولة عن تربيتها. إنها وإن تعاطفت مع ابنتها وفهمت رغباتها لن تبدأ المعركة مع مجتمعها بل تنتظر أن يفعل ذلك سواها.

الأم وابنتها:

الأم التي تخلق الحياة تطبع ذريتها بمشاعرها وسلوكها معهم، بحبها وبغضها، بسعادتها وتعاستها. من ثم تصبح الحياة عراكاً لتأكيد الذات بموازاة هذه الأم، تقليدها أو رفض نموذجها. وغالباً لا يكون من السهل الابتعاد عنها بعد أن كانت معبودة.

عندما تعيش الأم حياتها بشكل يناسب تطلعاتها، تستطيع حينها أن تحب أبناءها وأن يحبوها. وستكون بالتأكيد نموذجاً يحتذى حين تعمل على تأكيد نفسها دون عقدة ذنب. مما يجنّب ابنتها الخوف من الاختلاف عنها والصراع معها ورفض الاقتداء بها في تكوين هويتها الجنسية. والأم لا ترغب أن تضع ابنتها نموذجها موضع الشك والتساؤل. فهي حين تفعل، تدحض النهج الذي بنت حياتها حوله. وحتى عندما ترفضه وتقتبس عكسه في سلوكها، فهي تحمل الكثير منه شاءت أو أبت. هناك مسافة بين شخصية الأم الحقيقية وصورتها تحاول ابنتها أن تجد مكانها فيها. وعندما تعي ذلك تكون قد خطت خطوة جبارة. لكن كي لا تسبب الألم لأمها تسكت وتعمي أبصارها عن رؤية ما هو جلي الوضوح، حيث أن تحمّل حزن الأم صعب للغاية.

العلاقة الغامضة بالأم لا توفر الاستقلال لابنتها. لأنها ستعيش في الخوف من الإقدام على التجارب الصعبة وبلوغ ما تبغيه في الحياة أو نيل الإشباع منه لو خبرته. فالطفلة ترى نفسها في عيون أمها. مع أم كئيبة أو منشغلة بهمومها أو لا مبالية، لا يمكنها أن تتعرف على نفسها وأن تحب ذاتها. فهي لم تستشف الحب في نظرات والدتها التي هي مرآتها. والبنت بخلاف الصبي تبقى أكثر التصاقا بأمها بسبب تربيتها التي تختلف عن تربيته. فهو يعوّد باكرا على الانفصال والاستقلال وتحقيق نفسه كما يرغب.

أما البنت التي تتقوّى بدعم أمها التي هي جزء منها في المرحلة الأولى لحياتها، لن تشعر بأنها فقدتها عندما ابتعدت عنها. صلابة العلاقة تعطيها إحساس بالقوة تتكئ عليه لاكتشاف العالم من حولها. المهم أن تؤسس الروابط بشكل حسن كمّاً ونوعاً ليتسنى لها تخزين الصورة الجيدة الكفيلة بطرد القلق حتى خلال غيابها عنها. من غير ذلك ستظل تبحث عنها حتى ولو أصبحت راشدة وستبقى ثقتها بنفسها مهتزّة.

للأسف، من الأمهات من تصل درجة قلقها لحد لا يساعدها على تحمل فكرة اعتماد ابنتها على ذاتها. فتبقى ملاصقة لها للحظة زواجها وأحياناً لما بعد ذلك. فمن تربى ضمن مفاهيم تربوية من هذا النوع ليس من السهل عليه أن لا يكررها مع أبنائه حتى ولو سببت له الآلام عندما كان في وضعهم. هي لا تقبل فكرة كون ابنتها ليست ملكاً لها وأنه بإمكانها أن تكبر دون إشرافها الدائم عليها. فتبقى أمنية مستعصية كلمات الفيلسوف اللبناني الراحل، جبران خليل جبران: “أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة، والحياة لا تقيم في منازل الأمس..”

الثمن الذي تدفعه الابنة للحصول على استقلاليتها كبير. وكم بالأحرى تلك التي شكلت امتداداً لأمها بدل أن تستقل عنها وتتفرّد في حينه. خاصة عندما تسعى الأم لتحقيق نفسها من خلال ابنتها أو عندما تريدها على صورتها دون حق بالاختلاف. فتقرر عنها وتفرض عليها طريقتها في الحياة وتعاملها مع الجنس الآخر وخيارها في الزواج ونهجها في تربية أطفالها. تأثيرات الأم تبقى مطبوعة عند الابنة وتظهر في سلوكها حتى ولو ابتعدت عنها أو ثارت عليها واتخذت خيارات مغايرة لما تريد. ستبحث عن وجهها من خلال علاقتها بزوجها أو صديقها عندما ترنو للحب والاهتمام الذي لم تلقاه لديها أو بشكل غير كافي. وفي الغالب ستبقى أسيرة إحساس داخلي بأن جزءاً منها لا تسيطر عليه لأنه ملك أمها.

سيخالطها أيضاً الشعور بالذنب لابتعادها عنها والإخلال بواجبها تجاهها. وهي إن أحرزت نجاحات في حياتها، سينقصها الشعور بالاستمتاع بما حققته. في حين أن أخيها ربما حاز أكثر منها على اهتمام أبيه الذي رأى نفسه من خلاله فمده بما أمكن لدعمه، واهتمام أمه التي وضعته مكان أبيه وأسندت إليه أدواراً ليست لعمره.

هذه البنت لن تستطع أن تتصدى لتربية أمها ومخالفتها الرأي كي لا تعاني من التأنيب الذاتي وعقدة الذنب تجاهها. باسم حب أمها لها لن تقدر على التصرف حسب قناعتها، بل ستمتثل لما تمليه عليها، حتى ولو كان بذلك من الآلام ما لا تقوى على تحمله. وهي حتى ولو حصلت على درجات تعليم وعلى عمل ستبقى ملتزمة لدرجة أو أخرى بتقاليد مجتمعها وتوجيهاتها. لقد كانت في بدايات حياتها أكثر انطلاقاً وثقة بنفسها. لكن شيئاً فشيئاً بدأت تقترب من صورة أمها وتفقد تفردها وبعض طاقاتها وميزاتها. هوية الفتاة الجنسية هي أكثر ما تكون تأثرا بتلك التربية، حيث يحاط هذا الموضوع بجدار من المحرمات والمخاوف والاعتقادات. حتى ولو لم تكن أمها قد عبّرت عنه بوضوح أو نقلته بشكل مباشر لها.

باكراً يصبح الزواج ضالتها المنشودة لتعيش حاجاتها دونما شعور بالذنب أو الخطيئة أو كره الذات. كذلك لكي تصبح سيدة محترمة مقبولة من أمها ومن الأسرة والمجتمع. ومن المرجح أن يكون أول شخص تعرفت به هو من سترتبط به خاصة في المجتمعات المحافظة. هذا عندما لا يكون أهلها هم من قرر ذلك دون معرفة منها مسبقة به أو بما يكفي عنه.

في كل الأحوال، بالزواج تكتشف فعلياً ذاتها، وسيكون غالباً الاضطراب ونكران الذات ما سيطبع علاقتها بشريكها. كذلك الكذب على النفس والنفاق الاجتماعي سيلازمانها لأنها لم تتعلم أن تكون صادقة أو واضحة من غير عقد ودوران، بالأخص في المواضيع الحميمية. لقد كذبت أمها عليها وأخفت حقيقة مشاعرها بأمور كثيرة هامة بحجة حماية “أخلاق” ابنتها. ثم ما لبثت أن أنكرت عليها حقها في ذلك عندما تدخلت في حياتها ومارست ضغوطاً لمعرفة خصوصياتها. بذريعة “حسن” تربيتها حرصت الأم أن لا يفوتها شئ من أسرار ابنتها لتبقى قادرة على مراقبتها وتطويعها عند الضرورة. مما أفقدها ثقتها بأمها ودفعها للمراوغة والكذب كي لا تكشف ما لا يخصها ولا يحق لأحد معرفته.

قد تكون الأم فعلاً محبة ومتفهمة، لكن قد يفصل المواقف عن السلوك مسافة تقل أو تكثر بفعل المشاعر الدفينة اللاواعية التي تتحكم بالبشر. بين ما يقال وما يعبر عنه بطريقة أخرى قد يكون هناك تناقض يضع الابنة في موقع يصعب عليها الخيار فيه. فالإشارات والإيحاءات وتعابير الوجه والجسد قد تكون أبلغ من الكلام، وبكل الأحوال هي أكثر صدقا كونها أكثر عفوية.

تتراءى للابنة صورة سيئة عن أمها. لكنها ستقاومها لأنها تريد أن تحتفظ بذلك الاطمئنان الداخلي الذي هي بحاجة له والذي لأمها الحصة الكبيرة في وجوده. وكم من الأولاد يظلمون ويضربون ويعذبون من قبل أهلهم ولا يفصحون لأحد بذلك؟ بل يدافعون عنهم متى اقتضت الحاجة من أجل الاحتفاظ بصورة إيجابية عنهم. هم يفضلوا الاحتفاظ بعلاقتهم بهم والبقاء معهم لو خيروا بالعيش معهم أو مع آخرين يحسنون معاملتهم. ثم هل من أم تعترف بأنها لا تحب ابنتها؟ حتى ولو كان ذلك صحيحا، فهي ستؤكد على هذا الحب اللامتناهي. وإلا فهي غير طبيعية بنظر نفسها ومجتمعها.

لكن هناك فرق بين الحب الذي يحترم كيان وخصوصية وتفرد الابنة، والحب الذي هو عبارة عن رغبة في التملك وترجمة لقلق ذاتي ينعكس قلقا على الآخر. في كل الأحوال، تبقى الأم الملتصقة بالطفل كالأم اللامبالية أو الباردة، ضارة بصحته النفسية. فهو سيعيش حياته يبحث عنها ليهرب منها. حيث في القرب شعور بتهديد للذات وخطر على الاستقلالية، وفي البعد شعور بالذنب وبعدم الراحة والاطمئنان.

بالطبع، هذا النوع من العلاقة سيظهر فيما بعد في العلاقة مع الشريك. إما سيطالب ضمنياً بأن يحل محل الأم وإما سيعامل وكأنه الابن. في مطلق الأحوال، سينتظر منه أن يلعب دوراً لا علاقة له به وليس مسؤولاً عنه. وهذا قد يكون أقوى من الإرادة وما يمليه الذكاء والعلم والمعرفة. من هذه الرواسب تتغذى المنازعات التي ستنشأ لا محالة. والشريك عندما لا يكون أو يعرف كيف يكون قريباً من زوجته، ستشعر وكأنه لا يحبها أو لا يريدها.

خوف الأم من انكشاف حقيقتها ومن خسارة حب ابنتها قاتل. لكن ليتها اعترفت لها بأن الحب الكامل غير موجود وهو كذب ورياء. حبذا لو قبلت أن الأم الحقيقية لا يمكن أن تكون مثالية وما هو مثالي ليس إلا صورتها. هي لم تقوى على الاعتراف بقدراتها المحدودة وبأنها تخفق وتخطئ وتقلق ككل إنسان. والنوع الضعيف داخليا هو أكثر من يحاول إظهار قوته لمن هم أضعف منه. فهل لها بعد ذلك أن لا تنتظر معاملة ابنتها بالمثل كي تحافظ على محبتها وتحميها من الحقيقة أو تحمي نفسها منها؟

في الحقيقة مواجهة، والغالب على العلاقة هو الهرب من المواجهة. الذات الحقيقية تغلف بقشرة تمنع اكتشافها حيث المطلوب إظهار التأقلم مع المجتمع والامتثال لنموذجه الكلياني أو نظامه السياسي التسلطي. لكن الويل لمن وصل به الأمر لاستبدال الذات الحقيقية بالمزيفة وأضاع القدرة على التمييز بينهما. أليست هذه من سمات مجتمعاتنا العربية؟

الابن وصورة أمه:

عندما نتحدث عن المرأة والرجل من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار النوع. بمعنى أن كل امرئ يحمل في شخصيته صفات النوعين. تختلف نسبة كل واحدة منهما باختلاف الأشخاص، لكن تتطابق غالبا مع جنسه. فتطور الواحد لا يتم بمعزل عن الآخر وهيمنة أحدهما يدفع ثمنها الطرفان ولو لم يشعرا بذلك دائماً.

عندما يخاطب الرجل المرأة، فهو يتوجه لحد ما للمرأة التي في ذاته. وعندما يشوب التواصل مع الآخر الألغاز ويعتريه المثبطات فمنها ما يعود للذات وليس للآخر. نحن نعلم أن رؤيتنا للأشياء والناس هي عملية ذاتية أكثر منها موضوعية، كونها انعكاس الذات على الآخر.

في صورة المرأة عند الرجل، هناك نسج من خيال تحتل أمه حيزاً منه، يكبر أو يصغر بفعل علاقتهما السابقة حين كان طفلا. فمن خلال المرأة، أكانت زوجته أو أخته أو غيرها، يثأر الرجل أحيانا لنفسه عندما كان صغيراً وضعيفاً أمام أمه. لقد بقي خوفه منها وشيء من الكره الممزوج بالحب قائماً في لاوعيه تجاهها. فالمرأة في نظره تراوح بين وجهيها: الجميل والقبيح. بين القوية، الشريرة، الجنية، العاهرة من جهة والعشيقة، العطوفة، الرؤوفة، الحنونة، المخلصة من جهة ثانية. في جسدها ما يمتع وما يخيف بآن، وفي وجهها محرّضات الحب والكره.

يقال أن الأم توزع محبتها بالتساوي على أطفالها. لكن يبدو لي ذلك أمنية ووهماً. من المعروف أن كل طفل يقبل إلى الدنيا حاملاً صفات شخصية تميزه عن غيره وتلعب دورا بنوع العلاقة التي ستربطه بمحيطه. كما أنه يأتي في ظروف أسرية محددة ومتعلقة بتقلبات الوضع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي لأهله. إضافة إلى عوامل أخرى تميز بين الأطفال: كظروف الوضع بين ميسّر أو متعثر، والمرتبة بين الأخوة وجنس الطفل. وهذا الأخير قد يكون هاماً جداً بحيث يؤثر سلباً أو إيجاباً على علاقة والديه به.

فالمكانة الهامة للصبي وخاصة الوحيد أو البكر لا تحتاج للتأكيد عليها في المجتمعات الأبوية. معظمنا يدرك كلفة الابنة لأمها عندما كانت تنتظر صبياً وولدتها. فالصبي هو من سيحمل اسم عائلته وميراث والديه وهو من تنصبّ عليه الأحلام والآمال لتأكيد مكانة العائلة واستمرار شجرة العائلة. يذهب الأمر ببعضهم لحد لوم الأم عندما لا تنجب صبياً وتحمّل المسؤولية في ذلك. وكأنها هي من اختار جنس مولودها، في حين أنها غالباً ما تفضّل أن يكون هذا الصبي هديتها لزوجها وعائلتيهما. وحينما تضعه تشعر وكأنها ملكت الأرض بقدوم من سينصّب ملكاً على قلبها ويضفي قيمة لوجودها. وعلى الغالب تنشأ علاقة قوية بين الأم وابنها، خاصة الأول، والذي قد يحتل رمزياً مكان أبيه بالنسبة لها.

أما الأب فقد يقذف خارج هذه العلاقة الثنائية بين زوجته وطفلها. أو قد يغار من طفله ومكانته هذه ويبتعد من تلقاء نفسه عنهما. وبقدر ما يشعر أنه خارج الحلقة بقدر ما يمكن أن يزداد شراسة أو استقالة من دوره كأب. مما يعقّد العلاقة على كل الأصعدة، حيث المترتبات التي تنجم عن ذلك يمكن أن تكون خطيرة على الصحة النفسية لجميع أفراد الأسرة.

الكثير من الأطفال من لا يخرجوا من هذه العلاقة أسوياء. يتصرف الصبي أحياناً وكأنه ليس ابن أمه وإنما سيدها والآمر الناهي في حياتها. لكن المسئولية في ذلك لا يتحملها وحده. فهو قد وضع في مكان ليس له وأفهم أن عليه أن يلعب دوراً ليس دوره. ولم يتح للأب أو حتى لم يشأ أن يلعب واحداً من أدواره الأساسية التي هي الفصل بينهما. ربما ائتمنت الأم ابنها أيضاً على أسرارها وشكت له همومها مع أبيه وطالبته أو انتظرت منه ضمنياً أن يثأر لها. تؤكد الدراسات التي تجرى على المراهقين، الذين يرتكبون المخالفات أو الجنح والجرائم، العلاقة الوثيقة لسلوكهم بنوعية الروابط التي جمعتهم بأمهم وبشكل الخلية الأسرية.

قد تكون الأم من الصنف الذي يكره نفسه لأنها تكره وضعها. وبالتالي لا يمكن أن تحب من عداها حتى ولو كان طفلها. محبتها له نابعة بجزء منها على الأقل من حاجتها له كعلاج للخلل في علاقتها مع أبيه ومجتمعها. وهذا الحب ليس من النوع الذي يعترف بوجوده وكيانه ويحترمه كإنسان له كامل الحقوق. وإنما كتابع قاصر يملى عليه أي شئ، وكعبء لا بد منه بغض النظر عن خصوصية وضعه. بالتأكيد، سيكون المجهود باهظ الثمن عندما تتلاحق الولادات دون القدرة على التحكم بالنسل وتقرير الوقت المناسب أو العدد الممكن أو إعمال رغبتها في اتخاذ أي قرار هام. فهل بعد ذلك لامرأة كهذه أن تتمكن من إعطاء أولادها ما يطلبونه من اهتمام ورعاية وحنان كافيين؟ من الذي فكّر بها ودعمها معنوياً والتفت لحاجاتها ليطالبها بالاستمرار بالبذل والعطاء في عملية تربوية شاقة ومجهدة نفسياً؟

عندما يكبر هذا الطفل سيكون من الصعب عليه الابتعاد عن أمه المقهورة. فهو سيشعر بالذنب لمعاناتها وتضحياتها وتعلقها به. لكن بالوقت نفسه رغبته في التحرر منها قوية. خاصة وأن المرأة في الأسرة الأبوية تزداد شأنا مع التقدم بالعمر وتحاول فرض نفسها على أولادها الذين يشعرون بدين كبير نحوها. فصورتها ستلاحقه وعتبها عليه لابتعاده عنها مع أخرى قد يكون مؤذياً ، خاصة إن لم يكن لها كلمة في خياره هذا. تدخلها في اختيار شريكته أو شكل حياته سيضعه في موقع لا يحسد عليه. خاصة وأنها قد تكون أميل من زوجها لاحترام التقاليد. وهي من يؤمن استمراريتها، في حين أنها أكثر من عانى منها. كذلك سيكون من الصعب على نساء أسرتها الأصغر سناً التمتع بحرية أكبر منها في اختيار نوعية حياتهن لأنها ستكون لهن بالمرصاد. ومن منا لا يسمع بقصص الحرب التي تستعر رحاها بين الأم وزوجة ابنها؟

بكل الأحوال، الكلفة النفسية لعلاقة الأم بابنها قد تكون باهظة. حيث أن خوفه من أمه الذي لا يمكن أن يقبله أو يعترف به سيسقطه على من عداها من النساء. ولكي ينفصل عنها ويؤكد رجولته سيترافق ذلك غالباً برد فعل قوي لاواعي منه تجاه بنات جنسها. ستلازمه الرغبة في الانتقام منهن بدلا منها، والسيطرة عليهن بشكل فظ لاتقاء “شرّهن”. باختصار، ستطبع علاقاته المستقبلية بهن الكثير من التناقضات والخوف ومشاعر الكراهية.

من هنا نفهم أن يكون هذا الرجل ضحية هذه الأم التي هي بدورها ضحية زوجها ومجتمعها وعلاقات القوة السائدة فيه. ونفهم كيف اختلط في ذهنه الألم والحزن بالحب وعاش مع المتناقضات دونما شعور واعي بالتناقض. هذه العلاقة الجدلية للعنف المستشري على مستويات عدة يفسر استمرار هيمنة علاقات القوة وتحكم شخصيات مرضية بمراكز القرار. عقليات تقاوم تطبيق القانون عندما يعارض طموحاتها وتقفز فوق الأخلاق والأعراف لتحقيق مصالحها الآنية وتعزيز حبها للسيطرة على الآخر والثأر من معاناتها.

أين المخرج؟

أن نفهم لا يعني أن نبرر وإنما أن نبحث عن المخرج. لا بد من الإقرار أولاً بأن مسؤولية النساء كبيرة في تحديد معالم المجتمع والنسل من خلال ما تنجزه في حياتهن ونوعية هذا المنجز. فهنّ لا يمكن أن يتقدمن ويطورن الخلق بإعمال الاضطهاد والعلاقات القمعية للرد على الآخر بالمثل. لقد رأينا أن هذا النوع من السلوكيات هو نتيجة وسبب كره الذات والرغبة في السيطرة على الآخر بدافع الخوف منه. مما عمّم الشخصية العصابية التي لا تستكين إلا من خلال تكرار تصرفات مرضية. هذه السلوكيات التدميرية للآخر وللذات تحتاج لما يضع حداً لها على صعيد الممارسة، حيث لا يكفي إعمال الروادع القانونية والمعرفية.

وإلاّ ما الذي يفسر استمرار هذا الوضع الرديء منذ عهود طويلة حيث تعيش بعض المجتمعات وكأن عقارب الزمن لم تتبدل؟ لقد أتت أجيال بعد أجيال وعاشت على نفس المنوال دون كبير تغيير، بانتقال الموروث من الآباء إلى الأبناء. لكن المعضلة هي أننا من هذه الأرضية ننطلق نحو عالم نريده متجددا، مختلفا، أكثر انسجاماً مع أحلامنا وطموحاتنا. فهل نفلح في سبر غور ماضينا وتاريخنا كي نغير وجه حاضرنا أو مستقبلنا أو على الأقل مستقبل أبنائنا؟ ألا نصبو جميعنا لحياة أكثر عطاء وتوازنا وخلقا، ننشد السعادة فيها لنا ولمن حولنا وللعالم أجمع؟ لماذا ما فتئنا إذن نرفع معاول الهدم في هذا العالم بينما نعتقد أننا نسهم ببنائه؟ كم ضاع من الوقت وهدر من الطاقات وتراكم من المعاناة جراء تعدي من يملك موازين القوة على حقوق الأضعف؟ متى يبزغ اليوم الذي يتيح للواحد البحث عن ذاته وتحقيق نفسه مع الآخر بعيداً عن هذه التجاذبات والمعارك الهدامة للذات وللآخر؟

إن ما يجمع المرأة والرجل أكثر مما يفرقهما. فالحب الذي يبقى المحرك الكبير لتحقيق الذات لا يتعايش مع الصراع والعدوانية. لديهما من الطاقة والقدرة على العطاء والبناء ما يمكنهما من المضي في خطوات تقود للتسامي وتقترب من الكمال. بقي أن نبدأ باكتشاف النفس والتعرّف على الذات لمعرفة كيفية توجيهها بشكل إيجابي. يجب استغلال الطاقات الكامنة لتحقيق أغراض نبيلة تعطي معنى للحياة وترتفع بها لما هو غني المعاني وفيه خير البشر. فمن وجد ذاته وعرف قيمته وأدرك إمكانياته لا بد أن يكون عنصر خير لنفسه ولغيره.

والرجل الذي يبحث في المرأة عما يكمله سيتحد معها للاقتراب من الكمال الذي يبقى المرتجى. هناك إمكانات هائلة عند الإنسان لو عرف كيف يستغلها. عبر تعاونه مع الآخر سينتصر على نفسه ويرتفع عن الصغائر لما هو أعلى قيمة.

دون المرأة يصبح الرجل أكثر قساوة وفظاظة ويتخلى عما هو عاطفي وروحي. ومشكلة المرأة تكمن في أنها تسعى لإثبات وجودها وإيجاد مكانها تحت الشمس، غير أنها ما زالت مثخنة بالجراح. هي تريد أن تقنع نفسها والآخرين من حولها بقيمتها، وتحاول خلال مراحل حياتها أن تتخلص من هذا الإرث المضني الذي يلازمها. فإما أن تبقى ملازمة لسجنها وإما أن تنجح في الانطلاق بعيداً عنه نحو عالم تساهم في صنعه بشكل فاعل وخلاّق. لهذا لا بد أن تبدأ بالتعرف على نفسها وما تريد وما تستطيع. أن تتعرف على طاقاتها المهدورة وتعمل لاستعادتها والارتقاء بها لما هو أسمى. أن تحب نفسها ولا تحتقر إمكانياتها بالتبعية والسلبية. بذلك تستطيع أن تحب الآخر وتتصالح معه وتساعده على العمل معاً لتغيير الوضع القائم. فعالمها الداخلي كالكنز المخبأ لو عرفت كيف تكتشفه لوجدت الضوء الذي سيملأها بالحب والسعادة.

الجنة في داخلنا لو عرفنا كيف نسبر أغوارها ونتخلص من الإرث المحشو بالمحرّمات والممنوعات والخوف وتسلط الأنا العليا. هذه الأنا، التي تكونت تحت ضغط التابوهات ومفاهيم الخطيئة والحرام والشعور بالذنب، حوّلت الطاقات الإبداعية لسلوكيات سلبية وتشاؤم وحقد. فمن عاش المرارة والقنوط والحرمان يهرب منها بكره الذات والحياة وكل الكائنات ويعمل آليات التدمير بدلاً من البناء. لكن المرأة التي تمنح الحياة، يمكن لها لو اكتشفت طاقاتها الكامنة أن تثق بنفسها وتستفيد منها وتبدع إمكانات متجددة. لقفزت فوق التهلكة والدوران اللانهائي في حلقة مفرغة من الصراعات العقيمة التي تقبر فيها روحها قبل جسدها.

المعرفة هي أول خطوة نحو الانتصار على الذات والتسامي على الصغائر. يليها القبول بأن عوامل الفشل تقبع بجزء كبير منها في داخلنا. إن ما يعزى للظروف هو غالبا ما لا نود إدراكه في ذاتنا. ثم أن الخلق يحتاج للمثابرة والوقت، ولو تخلل المسيرة أزمات وتراجع فهي لا بد منها. من طبيعة الأشياء أن يتبع انعدام التوازن بحث عن توازن جديد.

لاجتياز العقبات لا بد من الخروج من وضع الضحية وإيقاف الحرب وأخذ المبادرة والتواصل دون انتظار الخطوة الأولى من الآخر. لكي يحدث التأقلم مع الآخر، يجد الرجل مثلاً من الأفضل له أن يستغل الجانب الأنثوي في شخصيته. فيهتم بالمنزل والأولاد أكثر من ذي قبل. في حين تأخذ المرأة سلطة أكبر، لكن دون مغالاة، لرعاية مصالحها ومصالح الآخرين.

كذلك يمكن أن يساعد تحقيق عمل مشترك الزوجين للنظر في نفس الوجهة وإضفاء معنى لحياتهما معا. وهما يتعاونا ويتناقشا حتى ولو لم يهتما بنفس الأشياء. كل منهما مثال للآخر ولو اختلفا في وجهات النظر. ليس في حرية وتفرد كل منهما ما يقلق، طالما أن وجودهما المشترك يحقق حاجاتهما أو جزءاً كبيراً منها على الأقل. وإذا تراجع الحب أو نقصت الرغبة تبقى المودة واحترام خصوصية كل طرف. يبقى نوع من الصداقة التي تقي من ضياع معالم الذات في الآخر والتبعية له. يستمر حب الحياة والرغبة في الخلق والعطاء وما يجنب آلام النفس والآخر، حيث الزواج عقد شراكة وليس تملك.

في المعرفة والاطلاع والتحليل ما يساعد على تخطي إن لم يكن تجنب الأزمات. إنها الطرف الثالث الأجدى الذي يفصل بين المتنازعين عندما يكون إنقاذ الروابط هو المطلوب. فهل هناك حرص على معرفة حقيقة مشاعر ونوايا الآخر كي لا يعزى له ما ليس به؟ هل ما يقوله واحدهما يصل للآخر كما هو أم كما يريد أن يتلقاه؟ أليس من الأجدى حفظ الحدود والاقتناع بأن ما من أحد يمكنه أو يحق له السيطرة على الآخر؟ حتى ولو كانت حقوق هذا المشروعة منتهكة بفعل العادات والتقاليد والديانات والأعراف والقوانين، هل هناك ما يلزمه بالطاعة والرضوخ لمشيئة الطرف الأقوى؟

لتقليم الغرسة وتنميتها ينصح علماء النفس بالانتباه لآليات التواصل، للكلمات المستعملة وطريقة التفوه بها. بين ندرة الكلام وكثرته هناك توازن يجب البحث عنه. فما يتم السكوت عنه يبقى فاعلاً في النفس، باستثناء الكلام من أجل الكلام. كما أن الشفافية الكبيرة يمكن أن تكون مؤذية. القاعدة هي أنه ليس لأحد الحق بنبش كل ما يخص حميمية شريكه وما عليه الاحتفاظ به لنفسه. إنها ليست سوى رغبة لاوعية بتملك الآخر، وهي أقرب لسلوك الطفل الذي يعيش داخلنا منها للعاقل. حتى أن الطفل لا يحق لوالديه التدخل بأسراره وإجباره على كشف مكنونات نفسه. فكيف يمكن أن يفرض ذلك على الآخر المساوي في الحقوق والواجبات؟ إنهما ليسا شخصاً واحداً وإنما كيانين مستقلين يتشاركان في مساحة معينة. كذلك هما ليسا صديقين، بل يجمعهما شئ من طبيعة أخرى، عليهما الاحتفاظ بجماليته وإلا أطاحا بما يجمعهما.

كل إنسان بحاجة لخلق صورة عن نفسه عند الآخر. وفي التفاصيل ما يمكن أن يشوه هذه الصورة، بحيث يبدو عاريا أمامه حتى من ورقة التوت. فيها أيضاً ما يشكل عبئاً على الآخر وما يدخل إلى اللاوعي الذي يحتفظ به مع مخزونات أخرى إلى أن يخرج بركاناً ثائراً عند أول فرصة. تفاصيل الحياة قد تتسبب بجرح نرجسي يمكن أن لا تظهر تأثيراته إلا بعد وقت. والصراحة ليست دوماً فضيلة، فهي تنم أحياناً عن رغبة في التخلص من عقدة الذنب تجاه الآخر. كما أن الصدق والكذب مفهومين نقيضين ليس للأول من إيجابيات والثاني من سلبيات بالمطلق. بل هناك وضع ثالث بينهما يجنب إشكاليات قد تكون مدمرة.

بين الكذب والإخفاء توازن يجب البحث عنه بتقدير قدرات وحاجات الطرفين العقلية والنفسية. والآخر ليس “مزبلة” نودعه المخزونات التي نود التخلص منها لأنها تزعجنا، فنقاسمه إياها بحجة الشفافية والإخلاص. في الصمت أحياناً احترام له ولمشاعره ومحافظة عليه وليس العكس. هذا التعاقد يجب حمايته بقياس ما يمكن أن ينميه وما يضر به، دون ضرب الثقة بين الطرفين. ثم إن الكلام يبدو أحياناً تافها أمام قدسية أوضاع يكون الصمت فيها مملوءا بالمعاني، وأمام لغة غير محكية تناجي النفس وتتسامى بالروح.

عندما يتم التفاوض على وضع هناك ما يخسره وما يربحه كل طرف. من أجل أن تتمتّن العلاقة بين الطرفين يجب أن لا يكون هناك إحساس عند طرف بأنه الخاسر في المعادلة. كي لا يتولد الغبن والغضب وتفشل محاولات التفاوض في إعطاء ثمارها. الثقة بالنفس هي ما يسمح بهذه الليونة في التعاطي مع أمور الحياة والآخرين. والأزمة لا بد أن تكون حافزاً للأفضل لو استغلت كما يجب.

الحاجة ماسة إذن لأن تخرج المرأة من الظلمات التي رميت إليها وتعود لمكانها قرب الرجل. يداً بيد يبنيا معاً هذا العالم الذي ما أن يتقدم خطوات ليتراجع أخرى. لكن السؤال: إن كان الأمل ببلوغ الهدف مباح، كم من الوقت سيمضي قبل أن يصبح الحلم واقعاً متاح؟

 

 

بعض المراجع الأساسية

ـ نانسي فرايدي، أمي مرآتي، بحث الابنة عن هوية، ترجمة راتب شعبو وتيسير حسون، دار السوسن، دمشق، 2000.

- Jean Lemaire, Le couple, sa vie, sa mort - la structuration du couple humain, Ed. Payot, Paris, 1984.

- Jrome Clment, Les femmes et l'amour, Ed. Stock, 2002.

- Paule Salomon, La sainte folie du couple, Ed. Albin Michel, 1994.

- Revue Psychologies, Vivre en couple, N. hors - srie.

 

 

من إصدارات اللجنة العربية لحقوق الإنسان

* فيوليت داغر وجيمس بول، من أجل نهاية الحصار على شعب العراق: نصّان حول العقوبات، (تقرير بالعربي)، 1998

* الحماية لنشطاء حقوق الإنسان في تونس، (تقرير بالعربي والفرنسي)، 1998

* محمود خليلي، الجزائر: قضية سركاجي من المجزرة إلى المهزلة، (تقرير بالفرنسي)، 1998

* فيوليت داغر، الزواج المدني في لبنان حق وضرورة، (تقرير بالعربي)، 1998

* جمال الهيثم النعال، الحريات الديمقراطية حقوق الإنسان وأزمة القضاء في الدستور السوري، (تقرير بالعربي)، 1998

* عمر المستيري، قراءة في الاتفاقية العربية لمناهضة الإرهاب، (تقرير بالعربي)، 1998

* محمد حافظ يعقوب، المحكمة الجنائية الدولية، (تقرير بالعربي والفرنسي)، 1998

* مصادرة جمعية المحامين في البحرين، (تقرير بالعربي)، (اللجنة العربية والمنظمة البحرينية لحقوق الإنسان)، 1998

* منصف المرزوقي، فيوليت داغر، عصام يونس، هيثم مناع: سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي،(كتاب بالفرنسي، والعربي)، طبعتين، 1998

* فيوليت داغر، العقوبات الاقتصادية على العراق، (تقرير بالعربي والفرنسي والإنكليزي)، 1999

* من أجل الديمقراطية والحقوق الإنسانية في تونس، (تقرير بالعربي)، 1999

* هيثم مناع، مراقبة قضائية في محكمة راضية النصراوي والمتهمين بالانتماء لحزب العمال الشيوعي التونسي، (تقرير بالعربي)، 1999

* هيثم مناع، مراقبة قضائية في محاكمة جلال بن بريك الزغلامي في تونس، (تقرير بالعربي)، 1999

* ناتالي بوجراده: مراقبة قضائية في محاكمة منصف المرزوقي ونجيب حسني في تونس، (تقرير بالعربي والفرنسي)، 2000

* هيثم مناع، مراقبة قضائية في محاكمة مناضلي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، (تقرير بالعربي)، 2000

* محمود خليلي وأمينة القاضي، الاختفاء القسري والتعذيب في الجزائر، (تقرير بالفرنسي)، 2000

* توفيق بن بريك، الآن أصغ إلي، (دار الصبار واللجنة العربية لحقوق الإنسان والبرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان)، 2000

* محمد حافظ يعقوب، فيوليت داغر، محمد أبو حارثية: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، (كتاب بالعربي والإنكليزي)، 2000

* هيثم مناع (إشراف) و38 باحثة وباحث، موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، (دار الأهالي، دار بيسان، منشورات أوراب واللجنة العربية لحقوق الإنسان)، 2000 ـ 2002

* فيوليت داغر، تقرير أولي عن الأوضاع الصحية في ظل الانتفاضة، (بالعربي)، 2001

* هيثم مناع، الحرية في الإبداع المهجري، سلسلة براعم، أوراب ـ الأهالي، (كتاب بالعربي)، 2001

* منصف المرزوقي، هل نحن أهل للديمقراطية؟ سلسلة براعم، أوراب ـ الأهالي، (كتاب بالعربي)، 2001

* هيثم مناع، ماذا عن المستقبل: ملاحظات على تقرير الحكومة السورية المقدم إلى لجنة حقوق الإنسان في نيويورك، (تقرير بالعربي والفرنسي والإنكليزي)، 2001

* تونس الغد. عمل جماعي شارك فيه: أحمد المناعي، توفيق بن بريك، راشد الغنوشي، مصطفى بن جعفر، منصف المرزوقي، نور الدين ختروشي، سلسلة الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، أوراب، (كتاب بالعربي)، 2001

* أحمد فوزي، مراقبة قضائية في محاكمة النائبين مأمون الحمصي ورياض سيف في دمشق، (تقرير اللجنة العربية والبرنامج العربي بالعربي)، 2001

* استعمال القوة من قوى الأمن الإسرائيلية، مؤسسة الحق، (تقرير بالعربي نشرته اللجنة بالفرنسي)، 2001

* فيوليت داغر (إشراف) 18 باحث سوري، الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية، (كتاب بالعربي، والإنكليزي، والفرنسي)، 2001

* حبيب عيسى، النداء الأخير للحرية، (كتاب بالعربي)، باريس 2002. بيروت 2003

* جان كلود بونسين وناتالي بوجرادة، انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، (تقرير بالفرنسي)، 2002

* ريتشارد موران، روجر نورمان، جيمس بول، جون رامبل وكريستوف ويلك، العقوبات على العراق: المترتبات الإنسانية وخيارات المستقبل، بالإشتراك مع: منتدى السياسات الشاملة(نيويورك) وحماية الطفل (لندن) وعشرة منظمات غير حكومية، (تقرير بالعربي والإنكليزي)، 2002

* أنور البني، مراقبة قضائية لمحاكمة حبيب يونس في لبنان، (تقرير بالعربي)، 2002

* مها يوسف، عماد مبارك، مصطفى الحسن طه، القوانين الاستثنائية وحق التنظيم في مصر، (كتاب بالعربي)، 2002

* محكمة الشعب والعداء لحق التنظيم السياسي في ليبيا، (تقرير بالإنكليزي والعربي)، 2002

* انجيلا غاف، واحدة من أفضل نجاحاتنا، تقرير عن مجزرة الدرج ـ غزة (بالاشتراك مع مركز الميزان لحقوق الإنسان)، (بالإنكليزي والعربي)، 2002

* ناتالي بوجرادة، حول محاكمات مروان البرغوثي، (تقريران بالعربي والفرنسي)، 2002

* حول انتخابات الهيئة الوطنية للمحامين الموريتانيين، تقرير مجلس الهيئة الوطنية للمحامين، (بالعربي)، 2002

* هيثم مناع، الولايات المتحدة وحقوق الإنسان، سلسلة براعم، باريس، دمشق، جدة، (كتاب بالعربي)، 2003

* الاعتقال التعسفي في الأسبوع الأول للعدوان على العراق، (تقرير للجنة بالعربي)، 2003

* هيثم مناع، تقرير حول أوضاع الفلسطينيين في العراق، (بالعربي)، 2003

* خليل معتوق وأنور البني، تقرير عن أوضاع الفلسطينيين في مخيم الرويشد، (بالعربي)، 2003

* فيوليت داغر، في جريمة العدوان، سلسلة براعم، أوراب ـ الأهالي، (كتاب بالعربي)، 2003

* محمد بن طارية، عباس عروة، يوسف بجاوي، تاريخ التعذيب وأصول تحريمه في الإسلام، جده، بيروت، (كتاب بالعربي عن اللجنة العربية ومركز الراية للتنمية الفكرية)، 2003

* دنيا الأمل إسماعيل، أوضاع الأطفال الفلسطينيين الأسرى في المعتقلات والسجون الإسرائيلية، (تقرير بالعربي لمؤسسة الضمير واللجنة العربية)، 2003

* نجدة المستضعف، أعمال مؤتمر باريس للجمعيات الإنسانية والخيرية، (كتاب بالعربي ومقالات مختارة بالفرنسي والإنكليزي) أوراب ـ الأهالي، 2003

* مسؤوليتنا المشتركة، تقرير بالإنكليزي للمنظمات غير حكومية حول نتائج حرب جديدة على أطفال العراق، 2003

* الكلمة الحرة والإرهاب، قضية تيسير علوني، (تقرير بالعربي)، 2003

* هيثم المالح، عبد المجيد منجونة، هيثم مناع، حالة الطوارئ ودولة القانون في سورية، (كتاب بالعربي)، 2004

* اليوم العالمي للتضامن مع المعتقلين السياسيين في تونس، (إصدار مشترك مع 25 منظمة غير حكومية بالفرنسي والعربي)، 2004

* الاعتقال التعسفي في العالم العربي، حالة قطر والسعودية وسورية وتونس، (بالاشتراك مع جمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان، بالفرنسية والعربية)، 2004

* هيثم المالح، حقوق المستضعفين، سلسلة براعم، أوراب ـ الأهالي، (كتاب بالعربي)، 2004

* من أجل مجتمع مدني في سورية، حوارات “منتدى الحوار الوطني، (كتاب بالعربي)، 2004

* حرية الإعلام في العالم العربي والغرب، سلسلة براعم، أوراب ـ الأهالي، (كتاب بالعربي)، 2004

* هيثم مناع، صرخة قبل الاغتيال، مستقبل المنظمات الخيرية والإنسانية في المملكة العربية السعودية، (كتاب بالعربي والفرنسي بالاشتراك مع المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية)، 2004

* فيوليت داغر (إشراف)، حق الصحة من حقوق الإنسان، سلسلة براعم، أوراب ـ الأهالي، (كتاب بالعربي)، 2004

* رشيد مصلي، ظاهرة الاختفاء القسري في الجزائر، (بالفرنسي)، 2004

* هيثم مناع، ومضات في ثقافة حقوق الإنسان، مركز التنمية الفكرية واللجنة العربية لحقوق الإنسان، 2004 (كتاب بالعربي).

 

 

المحتويات

مقدمة

الفصل الأول: الحركة النسائية في الخليج

  د. سبيكة محمد النجار

الفصل الثاني: هموم المرأة في الأسرة الخليجية

  أ. مجد الشرع

الفصل الثالث: المرأة والعمل في منطقة الخليج العربي

  أ. مجد الشرع

الفصل الرابع: في المرأة والأسرة ـ قراءة نفسية

  د. فيوليت داغر

 

الهوامش:

(*) الأمينة العامة للجمعية البحرينية لحقوق الإنسان وناشطة في العمل النسوي، لها عدة كتابات وأبحاث.

1 ـ خالد البسام، نسوان زمان، بيروت: 2002، ص45 ـ 46.

2 ـ خاتد البسام، تلك الأيام، البحرين، مطبوعات بنورام 1987، ص64.

3 ـ لمعلومات أكثر بفصيلاً عن هذه الحركة أنظر عبد الرحمن الباكر من البحرين إلى المنفى “سانت هيلانة” الطبعة الثانية بيروت: دار كنوز الأدبية 2002.

4 ـ عزيزة البسام، المرأة البحرينية واقع وتطلعات نحو مؤتمر بكين في المرأة العربية ـ الوضع القانوني والإجتماعي تونس: المعهد العربي لحقوق الإنسان ص83.

5 ـ سبيكة النجار، الإسهام النسائي التطوعي، ورقة غير منشورة جمعية أوال النسائية ص3.

6 ـ نورية السداني، الحركة النسائية العربية في القرن العشرين 1917 ـ 1982، الكويت، مارس 1982، ص35.

7 ـ هناك خلاف بين جمعيتي النهضة والرعاية على أيهما كانت الأولى من حيث النشأة إذ تذكر قياديات الجمعية الثانية أن جمعيتهن بدأت قبل إنشاء جمعية نهضة فتاة البحرين. ولكن بعد رجوعنا إلى الأدبيات المنشورة في ذلك الوقت بما في ذلك ما صدر عن جمعية الرعاية نفسها يتبين لنا أن جمعية النهضة قد أنشأت كمؤسسة تحت هذا المسمى مباشرة بعد حل نادي الفتاة في حين أن النساء اللواتي ينتمين لجمعية الرعاية كن يجتمعن كمجموعة نساء ويقدمن الأعمال التطوعية والخيرية ولم يؤسسن ما عرف بجمعية رعاية الطفل والأمومة إلا عند التقدم بطلب لإشهار الجمعية في عام 1960.

8 ـ حاولت جمية أوال النسائية عدم إدراج العمل الخيري ضمن أهدافها والتركيز على تحقيق حقوق المرأة إلا أن السلطات الحكومية في ذلك الوقت وضعت شرطاً للسماح للجمعية بالعمل وهو النص صراحة على العمل الخيري كهدف أساسي للجمعية. وهذا ينم عن النظرة السائدة للعمل النسائي الذي يجب أن يأخذ طابعاً خيرياً في المقام الأول ولعل السبب يرجع كذلك إلي تخوف السلطات من قيام هذه الجمعية ومن توجهاتها التي اعتبرت في ذلك الوقت ثورية.

9 ـ سبيكة النجار، الحركة النسائية في البحرين، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة المرأة في مواجهة العصر، القاهرة، 17 ـ 20 نوفمبر 1995.

10 ـ فوزية أحمد عبد الله، المرأة والمشاركة السياسية في البحرين في الحركة الدستورية ـ نضال شعب البحرين من أجل الديمقراطية، البحرين: دار الوحدة الوطنية 1977، ص95.

11 ـ أميل نخلة، التطور السياسي للبحرين في مجتمع حديث (باللغة الإنجليزية) لندن: كتب لكسينجتون 1976، ص53 ـ 54.

12 ـ أوراق ووثائق غير منشورة محفوظة لدى جمعية أوال النسائية. أنظر كذلك فاطمة البناي دور الجمعيات النسائية في البحرين في تعزيز حقوق المرأة منذ عام 1955 ورقة عمل مقدمة لندوة رؤيا لواقع المرأة في قضايا الأحوال الشخصية 5 ـ 7 ديسمبر 1987.

13 ـ مثال على ذلك تثبيت ساعة الأمومة للعاملات في شركة البحرين للإتصالات حيث كان لتبنى الجمعيات النسائية لهذه المشكلة وإصالها للمحاكم الفضل في تثبيت هذا الحق للمرأة العاملة في القطاع الخاص.

14 ـ سبيكة النجار وأخريات، جمعية أوال النسائية ـ النشأة والإنجازات ـ دراسة وثائقية، البحرين: المؤسسة العربية للطباعة والنشر مارس 1989 ص. 46.

15 ـ من الجمعيات الجديدة: جمعية المستقبل وهي الذراع النسائي لجمعية الوفاق الإسلامي(جمعية سياسية شيعية) وجمعيتي المرأة البحرينية وفتاة الريف هما الذراع النسائي لجمعية المنبر الوطني الديمقراطي (سابقاً جبهة التحرير الوطني ذات التوجه الشيوعي). كما أنشأت أيضاَ جمعية المرأة البحرينية وهي تتبع جماعة دينية يطلق عليها السفراء.وقد انشأت الجمعيات السياسية والخيرية ذات التوجه الديني السني فروعاً للعمل النسائي منفصلة عن الجمعية الأم. والجدير بالذكر أنه في كان الهدف من إنشاء جمعية أوال النسائية في بداية السبعينات هو أن تكون الذراع النسائي للجبهة الشعبية (ماركسية) إلا أن ضرب الجبهة وعدم ارتباط قيادة الجمعية إبتداء من أواخر السبعينات بالجبهة الشعبية فقد انتهجت جمعية أوال خطاً مستقلاً مرتبطاً بالمطالب النسوية الحقوقية.

16 ـ د. محمد حسن عبد الله، الحركة الأدبية والفكرية في الكويت، الكويت، رابطة الأدباء 1973، ص87 ـ 93.

17 ـ باقر النجار، الجمعيات الأهلية في منطقة الخليج العربي ـ التاريخ والمجتمع ورقة مقدمة لمؤتمر التنظيمات الأهلية العربية مشاركة عطاء وإنماء، القاهرة 26 أكتوبر ـ 3 نوفمبر 1989، ص226.

18 ـ لولوة القطامي، مسيرة الجمعية الثقافية الإجتماعية النسائية ـ ربع قرن من العطاء 1963 ـ 1988، الكويت، ص18.

19 ـ سعد أحمد الحجي، الجمعيات النسائية الإجتماعية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ـ دراسة توثيقية الكويت 2000، ص782.

20 ـ المصدر نفسه، ص783 ـ 784.

21 ـ ينص قانون الإنتخاب الكويتي في مادته الأولى “لكل كويتي من الذكور بالغ من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية الحق في الإنتخاب”. كما تنص المادة 125 من الدستور على ما يأتي: “يشترط فيمن يتولى الوزارة أن تتوافر فيه شروط الإنتخاب”. وبما أن المرأة لا يتوافر فيها هذا الشرط فبالتالي لا يمكنها تبوء منصب وزيرة. أنظر نورية السداني المسيرة التاريخية للحقوق السياسية للمرأة الكويتية في الفترة مابين عامي 1971 ـ 1982، الكويت.

22 ـ المصدر نفسه، ص17 ـ 18.

23 ـ تتلخص المطالب في التالي:

* المطالبة بحق المرأة في ممارسة عملية الإنتخاب غير المشروط.

* مساواة المرأة في جميع ميادين العمل وضرورة إتاحة الفرصة أمامها للترقي والوصول إلى المراكز الإدارية العليا أسوة بالرجل.

* مساواة المرأة العاملة بالرجل في وزارة الخارجية وضرورة إنخراطها في السلك الدبلوماسي.

* منح الموظفة بالحكومة جميع العلاوات بما فيها علاوة الأطفال.

* المطالبة بأن تكون المرأة الكويتية محامية خاصة في مسائل الأحوال الشخصية ومسائل الأحداث.

* الحد من تعدد الزوجات بأن يكون عقد الزواج الثاني أمام المحكمة.

* حرمان الزوج من علاوة الأولاد من الزوجة الثانية في حالة إنجاب الأولى.

      أنظر نورية السداني تاريخ المرأة الكويتية من مذكراتي خلال سبعة عشر عاماً ونصف 1963 ـ 1980 الجزء الثاني، ص94.

24 ـ نورية السداني، المسيرة التاريخية، مصدر سابق، ص99 ـ 100.

25 ـ في جلسة ضمت كاتبة المقال بشخصية معروفة ومؤثرة في مجلس الأمة الكويتي بررت هذه الشخصية وقوفها ضد حق المرأة السياسي بسيطرة التيارات الدينية على الساحة في الكويت وفي حالة تمكن المرأة من الإنتخاب فإنها ستصوت مع الدينيين ضد الشخصيات التقدمية مما يعني بالتالي خسارة الليبراليين لكراسيهم في المجلس لصالح التيارات السلفية.

26 ـ الحجي، مصدر سابق ص. 331

27 ـ في يوم الثلاثاء الموافق 6 نوفمبر 1990 قامت 47 مواطنة معظمهن يحملن مؤهلات عالية ويعملن في قطاع التعليم أو الجامعة بقيادة السيارات في شوارع مدينة الرياض مطالبات بحقهن في قيادة السيارة تخفيفاً للأعباء المادية الناجمة عن اضطرارهن لتأجير سائق اجنبي ولمواجهة احتمالات الحرب آنذاك بما يعنية من غياب الرجال واضطرار النساء لتولي كافة الأمور في الداخل. عوملت النساء بقسوة وصلت للفصل من العمل وتشويه السمعة. أنظر لجنة مناصرة المرأة في الجزيرة العربية سلطة العبائم ـ المرأة في الجزيرة، السعودية، منشورات الجمل 1991، ص9 ـ 13.

28 ـ د. جيهان عبد الله المير، المجلس الأعلى لشؤون الأسرة مشروع الأستراتيجية الوطنية لتقدم المرأة في قطر المحور السياسي ورقة مقدمة لندوة المرأة والسياسة ودورها في التنمية 12 ـ 23 أبريل 2002، الدوحة، ص6.

29 ـ د. وضحى السويدي، المرأة القطرية والتجربة الديمقراطية ورقة عمل لندوة المرأة والسياسة ودورها في التنمية، ص9.

30 ـ د. باقر النجار، المرأة في الخليج العربي وتحولات الحداثة العسيرة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2000، ص142.

31 ـ الجمعيات الأخرى في الإمارات هي: جمعية النهضة النسائية بدبي (1973) جمعية الإتحاد النسائية بالشارقة (1973) جمعية أم المؤمنين النسائية بعجمان (1974) الجمعية النسائية بأم القيوين (1973) جمعية النهضة النسائية برأس الخيمة (1979).

      أنظر الإتحاد النسائي مسيرة المرأة في الإمارات في 12 عاماً من النجاح، ص15 و125 ـ 144. أنظر كذلك المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة كتيب إعلامي صادر عن الإتحاد النسائي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

32 ـ المصدر نفسه، ص11.

33 ـ سعد أحمد الحجي، مصدر سابق، ص557 ـ 558.

(*) مجد موفق الشرع: مختصة في الأدب الإنكليزي والأمريكي وتدرّس اللغات. ناشطة في حقوق الإنسان وباحثة في قضايا المرأة. لها كتابات وترجمات عديدة.

(1) عكاشة عبد المنان الطيبي: “تحفة العروس”، دار الفضيلة، القاهرة، 1995، ص144.

2 ـ الصدى، العدد 167، حزيران 2002، ص34.

3 ـ مجلة هلا، العدد 16، 16»3»2000، ص10.

4 ـ زهرة الخليج، العدد 1202، 6»4»2002، ص46.

5 ـ الصدى، العدد 167، 9»6»2002، ص33.

6 ـ المرأة اليوم، العدد 38، 27»11»2001، ص29.

7 ـ زهرة الخليج، العدد 1211، تاريخ 8»6»2002، ص12.

8 ـ زهرة الخليج، العدد 1211، تاريخ 8»6»2002، ص16.

9 ـ زهرة الخليج، العدد 1200، تاريخ 23»3»2002، ص40.

10 ـ المرأة اليوم، العدد 38، 27»11»2001، ص29.

11 ـ زهرة الخليج، العدد 1187، 22»12»2001، ص12.

12 ـ زهرة الخليج، العدد 1200، تاريخ 23»3»2002، ص40.

13 ـ زهرة الخليج، العدد 1187، 22»12»2001، ص12.

14 ـ زهرة الخليج، العدد 1202، تاريخ 6»4»2002، ص12.

15 ـ المصدر السابق، ص12.

16 ـ المصدر السابق، ص16.

17 ـ زهرة الخليج، العدد 1198، تاريخ 9»3»2002، ص46.

18 ـ سيدتي، العدد 1028، تشرين الثاني 2000، ص56.

19 ـ فواصل، العدد 97، حزيران 2002، ص71.

20 ـ المرأة اليوم، العدد 38، 27»11»2001، ص30.

21 ـ المصدر السابق، ص31.

22 ـ الأسرة العصرية، العدد 1104، 11»6»2002، ص48.

23 ـ زهرة الخليج، العدد 1180، 3»11»2001، ص44.

24 ـ سيدتي، العدد 1030، تاريخ كانون الأول 2000، ص48.

25 ـ فواصل، العدد 97، حزيران 2002، ص75.

26 ـ سيدتي، العدد 1030، كانون الأول 2000، ص46.

27 ـ سيدتي، العدد 1030، تاريخ كانون الأول 2000، ص48.

28 ـ المرأة اليوم، العدد 38، 27»11»2002، ص32.

29 ـ زهرة الخليج، العدد 1209، 25»5»2002، ص42.

30 ـ المصدر السابق، ص40.

31 ـ زهرة الخليج، العدد 1193، 2»2»2002، ص36.

32 ـ زهرة الخليج، العدد 1193، 2»2»2002، ص36.

33 ـ سيدتي، العدد 1030، كانون الأول 2000، ص61.

34 ـ المصدر السابق، ص62.

35 ـ سيدتي، العدد 1028، تشرين ثاني 2000، ص46.

36 ـ زهرة الخليج، العدد 1200، تاريخ 23»3»2002، ص10.

37 ـ المصدر السابق، ص12.

38 ـ زهرة الخليج، العدد 1200، تاريخ 23»3»2002، ص14.

39 ـ زهرة الخليج، العدد 1204، 20»4»2002، ص38.

40 ـ زهرة الخليج، العدد 1200، 23»3»2002، ص40.

41 ـ سيدتي، العدد 1028، تشرين الثاني 2000، ص26.

42 ـ زهرة الخليج، العدد 1200، تاريخ 23»3»2002، ص39.

43 ـ زهرة الخليج، 1211، 8»6»2002، ص48.

44 ـ الأسرة العصرية، العدد 1104، 11»6»2002، ص48.

45 ـ الصدى، العدد 167، حزيران 2002، ص31.

46 ـ المرأة اليوم، العدد 38، تاريخ 27»11»2002، ص31.

47 ـ حيدر قفه، “ليل العوانس”، دار الفرقان، فرع إربد،1990 الطبعة الأولى، ص67.

48 ـ بدر عبد الملك، القصة القصيرة والصوت النسائي”، منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الشارقة، 1995، ص201.

49 ـ زهرة الخليج، العدد 1211، 8.6.2002، ص48.

50 ـ زهرة الخليج، العدد 1211، 8.6.2002، ص48.

51 ـ الصدى، العدد 167، 9.6.2002، ص33.

52 ـ زهرة الخليج، العدد 1211، 8.6.2002، ص48.

53 ـ زهرة الخليج، العدد 1211، 8»6»2002، ص45.

54 ـ المصدر السابق، ص48.

55 ـ زهرة الخليج، العدد 1202، 6»4»2002، ص50.

56 ـ نعيمة ثاني المري، “قطرات من المرش”، إصدار مركز المعلومات للدراسات والبحوث، دبي، 1998، ص52.

57 ـ الأسرة العصرية، العدد 1104، 11»6»2002، ص24.

58 ـ المصدر السابق، ص22.

59 ـ زهرة الخليج، العدد 1204، تاريخ 20»4»2002، ص43.

60 ـ زهرة الخليج، العدد 1200، تاريخ 23»3»2002، ص60.

61 ـ الأسرة العصرية، العدد 1011، 29»8»2000، ص97.

62 ـ جريدة الخليج، العدد 8415، 3»6»2002، ص14.

63 ـ الخليج الثقافي، العدد 8342 ، 22»3»2002، ص7.

64 ـ زهرة الخليج، العدد 1196، 23»2»2002، ص87.

65 ـ زهرة الخليج، العدد 1196، تاريخ 23»2»2002، ص16.

66 ـ الصدى، العدد 167، تاريخ حزيران 2002، ص80.

1 ـ مجلة تحت العشرين، العدد 74، حزيران 2002، ص22.

2 ـ زهرة الخليج، العدد 1193، تاريخ 2»2»2002، ص34.

3 ـ زهرة الخليج، العدد 1180، تاريخ 3»11»2001، ص52.

4 ـ الصدى، العدد 167، تاريخ 9»6»2002، ص28.

5 ـ زهرة الخليج، العدد 1198، تاريخ 9»3»2002، ص10.

6 ـ المصدر السابق، ص10.

7 ـ المصدر السابق، ص11.

8 ـ المصدر السابق، ص12.

9 ـ المرأة اليوم، العدد 38، تاريخ 27»11»2001، ص130.

10 ـ زهرة الخليج، العدد 1202، تاريخ 6»4»2002، ص48.

11 ـ زهرة الخليج، العدد 1193، تاريخ 2»2»2002، ص68.

12 ـ زهرة الخليج، العدد 1194، تاريخ 9»2»2002، ص50.

13 ـ زهرة الخليج، العدد 1194، تاريخ 9»2»2002، ص48.

14 ـ المصدر السابق، ص38.

15 ـ المصدر السابق.

16 ـ زهرة الخليج، العدد 1193، تاريخ 2»2»2002، ص32.

17 ـ زهرة الخليج، العدد 1207، تاريخ 11»5»2002، ص38.

18 ـ المصدر السابق، ص40.

19 ـ المصدر السابق، ص42.

20 ـ زهرة الخليج، العدد 1209، تاريخ 25»5»2002، ص64.

21 ـ الصدى، العدد 167، تاريخ 9»6»2002، ص22.

22 ـ زهرة الخليج، العدد 1207، تاريخ 11»5»2002، ص74.

(*) فيوليت داغر: رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومختصة في علم النفس الذي تدرّسه. لها كتابات وأبحاث في ميادين عديدة.