Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913
e. mail achr@noos.fr
واشنطن وموسكو.. علاقات الحب والكراهية معاً! - صبحي غندور
2017-08-24
اللجنة العربية لحقوق الإنسان
يشهد العالم في هذه الفترة تحرّكاً كبيراً مشتركاً بين موسكو وواشنطن في الملفّالسوري من جهة، وبين واشنطن وبكين في ملفّ كوريا الشمالية، من جهةٍ أخرى. وقدوصل هذان التحرّكان إلى درجة من النشاط بحيث صدر عن مجلس الأمن قراراً بالإجماعيفرض مزيداً من العقوبات على كوريا الشمالية، وبالإعلان عن تفاهمات روسية –أمريكية جديدة بشأن مناطق خفض التصعيد في سوريا، وعن وجود توافقأميركي/روسيحول ضرورة وضع تسوية سياسية للأزمة السورية المشتعلة منذ أكثر من ست سنوات.
لم يكن الأمر هكذا في الأشهر والسنوات القليلة الماضية. فالتباين في المواقفبين موسكو وبكين من جهة، وبين واشنطن والاتّحاد الأوروبي من جهةٍ أخرى، كان فيالسابق قد بلغ درجة كبيرة من السخونة، خاصّةً في الموقف من أوكرانيا وتطوّراتالأوضاع السورية. وقد لمس "حلف الناتو" جدّية الموقفين الروسي والصيني،و"الخطوط الحمراء" التي وضعتها موسكو وبكين في كلٍّ من سوريا وكوريا الشمالية.
لقد أدركت واشنطن أنّ فلاديمير بوتين يواصل قيادة روسيا الاتّحادية على قاعدةالسياسة التي أطلقها أوّلاً عام 2007 في مؤتمر ميونخ، حيث أكّد آنذاك رفضهللقطبية الدولية الواحدة وللانفراد الأميركي بتقرير مصير العالم، ما اعْتبِرحينها نقطة تحوّل في سياسة موسكو ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. فمنذ ذلك التاريخ، تنظر روسيا إلى السياسة الأميركية على أنّها مصدر خطر مباشر علىالمصالح الروسية. أيضاً، كانت موسكو قد حذّرت من سياسة واشنطن العاملة على نشرمنظومة "الدرع الصاروخي" في عددٍ من الدول، واعتبرت ذلك تهديداً للأمن القوميالروسي.
كذلك، نظرت موسكو إلى الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج العربي، وفيأفغانستان، وفي جمهوريات آسيوية إسلامية، وفي شرق آسيا، باعتباره تطويقاًشاملاً للأمن الروسي، يتكامل مع امتداد "حلف الناتو" في أوروبا الشرقية.
لكن هذه السياسة الروسية "البوتينية"، المستمرّة عملياً منذ العام 2007، لم تكنساعيةً بالضرورة إلى عودة أجواء "الحرب الباردة"، ولا أيضاً إلى سباق التسلّحوالحروب غير المباشرة بين موسكو وواشنطن، بل كان هدف روسيا في السنوات الماضية،ومن خلال السير بخطًى ثابتة ولو بطيئة، هو استعادة بعض مواقع النفوذ التيفقدتها عقب سقوط الاتحاد السوفييتي. وهاهي الآن، موسكو غير الشيوعية، تعود إلىالعالم دولةً كبرى، قادرةً على المنح والمنع معاً!!.
كما أدركت الولايات المتحدة، وخلفها الحليف الأوروبي، مخاطر التأزّم فيالعلاقات مع موسكو وبكين في هذه المرحلة، وحيث توجد أيضاً رغبة كبيرة لدى إدارةترامب بإقامة علاقات طيّبة مع روسيا الاتّحادية، رغم التحقيقات القانونيةوالتشريعية الجارية في واشنطن بشأن الدور الروسي في الانتخابات الأميركية الأخيرة، ورغم أيضاً قانون العقوبات الذي أصدره الكونغرس بغالبية كبيرة ضدّروسيا وإيران وكوريا الشمالية.
لذلك، لم تكن الأزمات المتكرّرة بين البلدين بحربٍ باردة جديدة بين قطبيندوليين متنافرين أيديولوجياً، كما كان الأمر في القرن الماضي. فأولويّات روسياوأميركا الآن هي مصالحهما المباشرة، وعدم رغبتهما (إن لم نقل عدم قدرتهما) علىاستنزاف متبادل يضرّ، في حال تصعيد الخلافات بالمواقف بينهما، بهما معاً.
وتتصرّف موسكو حالياً مع إدارة ترامب بأنّها أكثر تفهّماً للموقف الروسي، وبأملأن يواصل الرئيس ترامب السياسات التي أعلنها خلال الحملة الانتخابية في العامالماضي، لجهة تحسين العلاقات وإلغاء العقوبات الأميركية والأوروبية على روسيا. لذلك أيضاً، وجدنا أنّ الطرفين كانا حريصين في الفترة الماضية على إبقاءالخلافات بينهما مضبوطةً بسقفٍ محدّد، وبالتأكيد على مواصلة التشاور بينهما،وعلى عدم دفع الخلافات بينهما إلى حائطٍ مسدود.
إنّ لائحة القضايا المختلَف عليها بين موسكو من جهة، وواشنطن و"الناتو" من جهةٍأخرى، هي بلا شك لائحة كبيرة، لكنّ موسكو تدرك أيضاً حاجة واشنطن و"حلف الناتو" للتنسيق معها في القضية الأفغانية، وفي الملفّ السوري، وفي الموقف من كورياالشمالية. إنّ روسيا، بغضّ النظر عن نظام الحكم فيها، لا يمكن لها أن تكون منعزلةً أومحصورةً فقط في حدودها. هكذا كانت روسيا القيصرية وروسيا الشيوعية، وهكذا هيالآن روسيا "البوتينيّة".
ولقد تميّزت خلاصات العقد الأول من القرن الجديد بتباين واضح بين حالة روسياالاتّحادية وبين الحال الأميركي. فبينما كانت روسيا تشهد نموّاً اقتصادياًمتصاعداً، كان الاقتصاد الأميركي يشهد العديد من ظواهر الكساد والأزمات الماليةوالاقتصادية والتي تفجّرت بشكلٍ واسع في العام 2008 عشيّة نهاية حقبة بوشالابن. وقد ساهمت السياسة الخارجية السيّئة لإدارة بوش الابن إلى حدٍّ كبير فيتدهور أوضاع الاقتصاد الأميركي، وبحصول انقسام سياسي حاد داخل المجتمعالأميركي، ثمّ بفوز الديمقراطيين في حكم البيت الأبيض من خلال الرئيس السابقباراك أوباما، والذي أعاد مسار الاقتصاد الأميركي إلى حال النمو والأنتعاش. وهناك مخاوف لدى العديد من الأميركيين من تكرار سياسة "الحزب الجمهوري" التياتبعت في مطلع القرن الحالي، تحت إدارة ترامب الآن.
طبعاً هناك مصلحة لكلّ دول العالم بتصحيح الخلل الحاصل في ميزان العلاقاتالدولية، وبالعودة إلى مرجعية دولية متوازنة في التعامل مع الأزمات القائمةحالياً، وبوقف الحروب الأميركية التي تحصل بلا مرجعية "مجلس الأمن الدولي". وإذا أحسنت القوى الكبرى توظيف هذه المرحلة، فإنّ ذلك قد ينعكس إيجاباً على كلّالأزمات الدولية، وفي مقدّمتها الآن أزمات منطقة "الشرق الأوسط" التي تشململفّاتٍ مترابطة بتداعياتها وأطرافها؛ من ملفّ مواجهة "داعش" والإرهاب المرتبطبها وبجماعات "القاعدة"، إلى الأحداث الدموية في سوريا، وإلى الصراعالعربي/الإسرائيلي.
لكنّ الصراع السياسي، الذي يشهده العالم مؤخّراً بين موسكو وواشنطن، هو صراعمصالح ونفوذ وليس صراعاً أيديولوجياً، كما أنّه ليس بحربٍ باردة جديدة يجب أنتنتهي بهزيمة أحد الطرفين. لذلك لا يصحّ عربياً المراهنة على أي طرف خارجي ) إقليمي أو دولي) في تحقيق المصالح العربية بأبعادها الوطنية والقومية. فالمصالح الوطنية والقومية العربية تتطلّب أوّلاً الاعتماد على الذات العربية،وتحسين واقع الحال العربي في أجزائه الوطنية وفي كلّيته العربية، وهذا ما لميتحقّق بعد!.