french

English

 

دليل المواقع

برامج وأنشطة

أخبار

الأرشيف

طلب مساعدة

عن اللجنة

الصفحة الرئيسية

Arab Commission for Human Rights
5, rue Gambetta
92240-Malakoff- France
Tel 0033140921588 Fax 0033146541913

e. mail achr@noos.fr
 

جملة اعتراضية-  علاء الاسواني

 

2010-05-18

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

        

الدكتور ممدوح حمزة واحد من أكبر أساتذة الهندسة في مصر، أشرف على تنفيذ عشرات المشروعات الكبرى في مصر ودول العالم المختلفة بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان، ويضيق المجال عن ذكر الجوائز الدولية الرفيعة الكثيرة التي حصل عليها ممدوح حمزة، مما يجعل إنجازاته مفخرة حقيقية للمصريين والعرب جميعا. على أنه، بالإضافة الى نبوغه المهني، يتمتع بإحساس عميق بالواجب العام، فهو يعتقد أن المعرفة ترتب مسؤولية نحو الإنسانية ويكرر دائما أنه تعلم في جامعة القاهرة على حساب فقراء المصريين فمن واجبه أن يكرس علمه لمساعدتهم بقدر الإمكان...


عندما حدثت السيول الأخيرة التي اجتاحت محافظة أسوان وشردت آلاف المواطنين الفقراء، أحس الدكتور حمزة بضرورة أن يفعل شيئا لمنكوبي السيول، فظهر في التلفزيون على قناة «أوربت» مع الأستاذ عمرو أديب وأبدى استعداده، متطوعا، لإنشاء مساكن بديلة للفقراء الذين شردتهم السيول، وسرعان ما تدفقت التبرعات على البرنامج حتى وصلت الى 28 مليون جنيه، تم ايداعها في حساب جمعية المواساة الخيرية للإنفاق على مشروع بناء مساكن لمنكوبي السيول. تحمس الدكتور حمزة وترك أعمال مكتبه الخاص في القاهرة وسافر الى أسوان ليشرف مجانا على بناء المساكن للفقراء، وتلقاه محافظ أسوان اللواء مصطفى السيد، كما هو متوقع، بترحاب بالغ وشكره بحرارة على تبرعه بمجهوده ووقته من أجل فقراء مصر، ثم أمر فورا بتخصيص قطعة أرض لينفذ عليها المشروع، ثم عاد واستبدل بها قطعة أرض أخرى ذات طبيعة صخرية يصعب البناء عليها، لكن الدكتور حمزة (أستاذ ميكانيكا التربة وهندسة الأساسات) قبل التحدي واستطاع أن يعالج صعوبة الأرض ويتغلب على وعورتها وقام ببناء 29 وحدة في ثلاثة أسابيع، وهو زمن قياسي واستطاع بخبرته الكبيرة أن يقلل تكلفة الوحدة السكنية حتى وصلت الى مبلغ غير مسبوق هو 35 ألف جنيه، وكان أمل المهندس الكبير أن يتمكن من تعميم مشروعه في كل محافظات مصر، من أجل إيواء ملايين المصريين الذين يعيشون في العشوائيات في ظروف غير إنسانية بدون مرافق ولا كهرباء ولا صرف صحي..



 

استمر العمل قائما على قدم وساق، وكان كل شيء يبشر بنجاح مشروع ممدوح حمزة لإسكان الفقراء، لكن الرياح تغيرت فجأة، وبدلا من كلمات التقدير والثناء، انقلبت محافظة أسوان على ممدوح حمزة تماما فرفضت تزويد المشروع بالمياه، ورفضت إعطاءه تراخيص البناء، ورفضت دفع مستحقات عمال البناء التي اتفقت عليها، بل أنها قامت بتجميد أموال تبرعات الأهالي، وهددت جمعية المواساة الخيرية بعقاب شديد اذا صرفت جنيها واحدا للدكتور ممدوح حمزة من التبرعات التي دفعها المصريون أساسا لأنهم يثقون في إخلاصه وكفاءته. بل وصل الأمر الى إبلاغ الشرطة التي قبضت على المهندسين والعمال أثناء عملهم في المشروع واحتلت الموقع ومنعت العمل فيه ورفضت تحرير محاضر إثبات حالة لصالح ممدوح حمزة .. وهكذا تحول الدكتور حمزة الى العدو الأول لمحافظ أسوان الذي استدعى بعض المهندسين (وجميعهم كانوا تلاميذ الدكتور حمزة في كلية الهندسة ) ليكتبوا تقارير تؤكد أن المساكن التي شيدها بها عيوب هندسية، وقد رفض معظم المهندسين مخالفة ضمائرهم وكتبوا تقارير يشيدون بالإنجاز الهندسي لأستاذهم الدكتور حمزة، وكانت النتيجة أن أخفى المحافظ هذه التقارير لأنها جاءت على غير هواه... وفي النهاية أحال محافظ أسوان الموضوع الى النيابة، و هذا تصرف غريب، فالدكتور ممدوح حمزة ليس قاتلا و لصا حتى تحقق معه النيابة، بل هو عالم مصري كبير، أراد أن يخدم بلاده متبرعا بماله ووقته وجهده. للأسف ليس بمقدورنا أن نتفاءل بتحقيقات النيابة لأن النائب العام ليس مستقلا عن السلطة السياسية في مصر. على أن السؤال هنا: لماذا انقلب النظام على ممدوح حمزة وحاربه بضراوة بعد أن رحب به في البداية... الأسباب تتلخص في ما يلي:

أولا: إن الوحدات السكنية التي نفذها ممدوح حمزة زهيدة الثمن، تتكلف الواحدة منها 35 ألف جنيه بينما مساكن الفقراء التي تنفذها المحافظة تتكلف الوحدة الواحدة 80 ألف جنيه... الفرق بين الرقمين يذهب الى جيوب كبار المقاولين الذين يتمتعون بعلاقات واسعة مؤثرة في أجهزة الدولة المختلفة. هؤلاء المقاولون يعتبرون نجاح ممدوح حمزة في مشروعه تأسيسا لنموذج جديد من إسكان الفقراء قابل للانتشار، مما يعد تهديدا خطيرا لمصالحهم، لأنه سيؤدي الى خسارتهم لأرباح بالملايين، ولذلك فهم سيفعلون كل ما بوسعهم للقضاء على مشروع الدكتور حمزة وتحطيمه.

ثانيا: إن المشروعات التي تنفذها المحافظة سيتم افتتاحها بواسطة السيدة سوزان مبارك حرم رئيس الجمهورية ولا يليق أبدا، في أذهان المسؤولين، أن تفتتح السيدة سوزان مشروعات إسكان للفقراء الباهظة الثمن، بينما ينجح ممدوح حمزة في بناء مساكن أفضل منها بنصف التكلفة، ولعل الكابوس الذي يؤرق كبار المسؤولين ويمنعهم من النوم، أن تسمع السيدة سوزان مبارك عن مشروع ممدوح حمزة الناجح فتوجه إليهم هذا السؤال المنطقي:

ـ كيف استطاع الدكتور ممدوح حمزة أن ينفذ مساكن الفقراء بنصف التكلفة التي تقبضونها..؟..

ثالثا: إن نجاح مشروع ممدوح حمزة سوف يثبت مهاراته الإدارية بالإضافة الى نبوغه المشهود في مجال الهندسة، الأمر الذي قد يطرح اسمه بقوة كمرشح للوزارة في أي تعديل وزاري قريب. هذا الأمر بالذات يثير فزع بعض الوزراء المرتعدين خوفا على مناصبهم، وهم يعتبرون ممدوح حمزة وكل من كان في كفاءته، منافسا خطيرا قد يؤدي الى إزاحتهم من مناصبهم.

رابعا: إن مشروع ممدوح حمزة الذي اعتمد بالكامل على تبرعات الأهالي لا يتبع أية جهة حكومية أو شبه حكومية... وهو نموذج ناجح قابل للتنفيذ في محافظات مصر جميعا... مما سيؤدي الى تكوين إرادة شعبية تتحدى الحكومة وتنشئ مشروعات أفضل من مشروعاتها. والنظام في كمصر، مثل الأنظمة الاستبدادية كلها، لا يستريح إطلاقا لفكرة استقلال الإرادة الشعبية حتى لو تعلق الأمر ببناء مساكن للفقراء، لأن الذين يجتمعون اليوم لبناء مساكنهم بأموالهم ومجهودهم سيجتمعون غدا، حتما، للمطالبة بحقوقهم السياسية المهدورة.


إن حكاية ممدوح حمزة بقدر ما هي محبطة إلا أنها مفيدة، وأنا أهديها الى كل من لا زال يعتقد أنه بالإمكان إحداث النهضة في بلادنا بعيدا عن الإصلاح السياسي.. لا زال بعض الناس الطيبين يتصورون أنه لو اجتهد كل مصري في عمله فإن مصر ستتقدم بدون الحاجة الى تغيير ديموقراطي. هذا التصور حسن النية لكنه مفرط في السذاجة لأنه يفترض أن الاستبداد يقتصر تأثيره على البرلمان والحكومة. والحق أن الاستبداد، مثل مرض السرطان، يبدأ في السلطة السياسية ثم ينتشر بسرعة في كل أجهزة الدولة فيصيبها بالعطب والعجز.. الاستبداد يؤدي حتما الى فساد الدولة وهذا الفساد سرعان ما يؤدي الى نشوء عصابات جهنمية داخل النظام، تكون ثروات طائلة من الفساد وهي مستعدة للقتال بضراوة وتحطيم أي شخص أو فكرة أو مشروع للحفاظ على مكاسبها.. أضف الى ذلك أن نظام الاستبداد يقدم الولاء على الكفاءة وبالتالي فهو يمنح المناصب الى أتباعه المخلصين الذين لا يصلحون غالبا من الناحية الموضوعية لتولي المسؤولية، الأمر الذي يجعلهم يتوجسون خيفة من ظهور أية كفاءة حقيقية قد تنتزع منهم المنصب... وهكذا يتحول نظام الاستبداد الى ماكينة رهيبة تستبعد بانتظام النوابغ والموهوبين وتحاربهم وتضطهدهم وفي الوقت نفسه، تجتذب الفاشلين ومعدومي الكفاءة ماداموا يطبلون ويزمرون للرئيس ويتغنون بعبقريته وإنجازاته العظيمة. إن ما حدث للدكتور ممدوح حمزة، هو بالضبط ما حدث من قبل مع الدكتور أحمد زويل ومع المصريين النابغين، الذين حاولوا أن يفعلوا شيئا لمساعدة بلادهم. كل ذلك يؤكد مرة أخرى أن خلاص مصر من الكابوس الجاثم عليها لن يأتي أبدا بالمبادرات الفردية مهما بلغ إخلاص وحماس القائمين بها. إن أية محاولة للإصلاح بعيدا عن التغيير الديموقراطي ليست سوى مضيعة للجهد والوقت...

.. الديموقراطية هي الحل...

 

 

جريدة «الشروق» المصرية 11/5/2010

 

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff – France

Phone: (33-1) 40921588  * Fax: (33-1) 46541913

E. mail achr@noos.fr   www.achr.nu www.achr.eu

 

 

الآراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي اللجنة العربية لحقوق الإنسان , إنما تعبر عن رأي أصحابها

الصفحة الرئيسة